الاثنين، 15 يونيو 2026

الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية في القانون اليمني


​الأمر  بألا  وجه  لإقامة الدعوى  الجزائية  في  القانون  اليمني  والمصري: الدليل القانوني الشامل

​تعتمد الأنظمة القانونية المعاصرة، وخاصة تلك التي تأخذ بنظام الجمع بين وظيفتي الاتهام والتحقيق بيد النيابة العامة، على منح سلطة التحقيق صلاحيات واسعة للتصرف في الدعوى الجزائية. فالنيابة العامة هنا تتمتع بسلطات قاضي التحقيق؛ وبالتالي، فإنها تتصدى للدعوى وتملك اتخاذ الإجراءات التحقيقية الكفيلة بإظهار الحقيقة.

​بناءً على ذلك، تتصرف النيابة في الدعوى بإحدى وجهتين: إما الإحالة إلى القضاء المختص، أو إصدار الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية؛ تطبيقاً للقاعدة القانونية الراسخة: "من يملك التحقيق في الدعوى، يملك التصرف فيها".

​في هذا المقال وبحثنا القانوني المميز، سنستعرض بالتفصيل ماهية هذا الأمر، كيفية دخول الدعوى حوزة النيابة، القيود المفروضة عليها، أسبابه القانونية والموضوعية، وحجيته أمام القضاء.

​أولاً: كيفية دخول الدعوى الجنائية حوزة النيابة العامة

​إن مباشرة النيابة العامة لإجراءات التحقيق الابتدائي لا تتطلب إكراهًا أو إذنًا مسبقًا لاستصدار أمر التصرف طالما تجمع بيدها سلطتا الاتهام والتحقيق. ويبدأ اختصاص النيابة بتحريك الدعوى ومباشرتها بمجرد وقوع جريمة معينة على شخص معين والإبلاغ عنها.

​1. الإبلاغ  والشكوى  كوسيلة للعلم بالجريمة في القانون اليمني 

​يُعد البلاغ أو الشكوى هو الطريقة العادية لوصول العلم بالجريمة إلى النيابة العامة بوصفها الأمينة على الدعوى الجنائية. ويجمع بين البلاغ والشكوى أن كلاً منهما إخطار عن جريمة وقعت، ولكن يكمن الفرق بينهما في الآتي:

  • الإبلاغ: إخطار عن جريمة يمكن أن يتقدم به أي شخص، وهو كقاعدة عامة اختياري، وإن كان إلزامياً في بعض الأحيان.

  • الشكوى: تكون من المجني عليه وحده. وإذا تضمنت الشكوى مطالبة بتعويض سميت "ادعاءً مدنياً". وقد نصت المادة (28) إجراءات جنائية على أن الشكوى التي لا يدعي فيها مقدمها بحقوق مدنية تعد من قبيل التبليغات وتخضع لأحكام البلاغ.

​ثانياً: ماهية  الأمر  بألا وجه  لإقامة الدعوى  الجنائية

​اقتصرت النصوص الإجرائية المنظمة للأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية على الأسباب التي يُبنى عليها والآثار المترتبة عليه؛ ولذلك اجتهد الفقه القضائي في إيجاد تعريف دقيق له.

​1. التعريف الفقهي للأمر بألا وجه

​انقسم الفقه في تعريفه إلى اتجاهات متقاربة:

  • الاتجاه الأول: هو أمر قضائي من أوامر التصرف في التحقيق الابتدائي تصدره بحسب الأصل إحدى سلطات التحقيق الابتدائي لتصرف به النظر عن إقامة الدعوى أمام محكمة الموضوع لأحد الأسباب التي بينها القانون، ويحوز حجية من نوع خاص.

  • الاتجاه الثاني: صرف النظر مؤقتاً عن تقديم الدعوى للمحكمة لعدم وجود أساس كافٍ يبرر تقديمها إليها. فهو لا ينهي الدعوى كالحكم الجنائي بل يوقف السير فيها مؤقتاً إلى أن تسقط بمضي المدة أو تظهر أدلة جديدة.

​2. شروط صياغة الأمر: الكتابة والوضوح

  • كتابة الأمر: يجب أن يكون الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى ثابتاً بالكتابة، فالكتابة تعد دليلاً على حصوله ومطابقته للقانون (طبقاً للمادتين 154 و209 إجراءات). كما يجب أن يتضمن البيانات التي نصت عليها المادة 160 من قانون الإجراءات الجنائية، وأن يُبنى على أسباب وإلا اعتبر أمر حفظ.

  • الأمر الصريح: الأصل أن يكون الأمر صريحاً بأي صيغة يراها المحقق ما دامت واضحة الدلالة في التعبير عن إرادته في صرف النظر عن السير في الدعوى. فلا يستفاد مثلاً من التأشير على تحقيق بإرفاقه لأوراق شكوى أخرى محفوظة، ولا يغني عنه وجود مذكرة مقترحة من وكيل النيابة بالاكتفاء بالجزاء الإداري.

  • الأمر الضمني: استثناءً، قد يستفاد الأمر ضمناً من تصرف المحقق إذا كان يترتب على هذا التصرف حتماً وبطريق اللزوم العقلي صرف النظر عن السير في الدعوى؛ كأن ينتهي المحقق من واقعة سرقة إلى اتهام المجني عليه بالبلاغ الكاذب، أو قيد الواقعة ضد متهم آخر بعد استكمال التحقيق مما يفيد بألا وجه لإقامتها ضد المتهم الأول.

​3. تسبيب الأمر وإعلانه للخصوم

  • التسبيب: أوجب القانون تسبيب الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية (على خلاف أمر الحفظ) بناءً على نص المادة 209 إجراءات. والتسبيب يعد ضمانة لحسن سير العدالة ووسيلة لجهة الطعن لمراقبة سلامة الأوامر وتطبيق القانون. ويكفي أن يكون التسبيب بالقدر الذي يقتضيه المقام في حدود وظيفة المحقق كجهة تحقيق لا جهة حكم.

  • الإعلان: أوجب القانون إعلان الأمر بألا وجه للمدعي بالحقوق المدنية، وإذا توفي يُعلن لورثته جملة في محل إقامته، وذلك ليتحدد بدء ميعاد الطعن المقرر قانوناً.

​ثالثاً: سلطة النيابة العامة والقيود الواردة عليها

​التحقيق الابتدائي اختصاص قضائي محض؛ ولذلك فإن أعضاء النيابة العامة يستمدون اختصاصهم من القانون مباشرة باعتبارهم يحلون محل قاضي التحقيق. وتنص المادة (199) إجراءات على أن: "تباشر النيابة العامة التحقيق طبقاً للأحكام المقررة لقاضي التحقيق سواء في مواد الجنح أو الجنايات".

​ومع ذلك، يرتبط صدور هذا القرار بعدد من القيود والقواعد:

  1. عدم التقيد بمبدأ عينية الدعوى: على عكس قاضي التحقيق الذي يلتزم بالواقعة المحالة إليه، فإن النيابة العامة -بحكم جمعها لسلطتي الاتهام والتحقيق- تملك توجيه الاتهام إلى من تشاء من الأشخاص والوقائع دون تقيد.

  1. مراعاة قواعد الاختصاص المحلي: يجب أن يقع التحقيق في نطاق الاختصاص المحلي المحدد قانوناً (مكان وقوع الجريمة، محل إقامة المتهم، أو مكان القبض عليه). ولا تبطل الإجراءات خارج الدائرة إلا في حالتي الضرورة الإجرائية أو الندب الرسمي.

  1. الاختصاص النوعي والشخصي: تملك النيابة سلطة التحقيق في كافة الجرائم (مخالفات، جنح، جنايات). والقيد الذي أورده المشرع في مواد الجنايات هو ضرورة صدور الأمر بألا وجه من المحامي العام أو من يقوم مقامه.

​رابعاً: حجية الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية

​الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية الصادر في نهاية التحقيق الابتدائي تثبت له حجية قانونية، لكنها تتميز بخصائص معينة:

​1. حجية مؤقتة وليست نهائية

​يضع هذا الأمر المتهم خارج حالة الملاحقة القضائية، ولا يمكن الرجوع فيه إلا بشرط أن تتغير حالة الدلائل التي صدر بناءً عليها. لذا فهي حجية مؤقتة يجوز معها العدول والعودة إلى التحقيق متى ظهرت "دلائل جديدة"، أو إذا ألغى النائب العام هذا الأمر خلال مدة الثلاثة أشهر التالية لصدوره (ما لم يكن قد صدر قرار من الجهة المختصة بنظر الاستئناف بتأييده).

​2. حجية نسبية

​تقتصر هذه الحجية على المتهم الذي حُقق معه وصدر القرار بشأنه وبالنسبة للواقعة ذاتها. فلا يجوز لمتهم مساهم التمسك بالأمر الصادر لمصلحة متهم آخر إذا كان مبنياً على أسباب شخصية (كامتناع المسؤولية). أما إذا كان مبنياً على أسباب عينية (كعدم صحة الواقعة أو توافر الإباحة) فيستفيد منه بقية المساهمين في الجريمة.

​3. الحجية أمام القضاء الجنائي والمدني

  • أمام القضاء الجنائي: يتعلق الدفع بصدور أمر بألا وجه بالنظام العام، ويجوز إبداؤه في أي حالة كانت عليها الدعوى (ولو لأول مرة أمام محكمة النقض) وتنقضي به الدعوى شرط وحدة السبب والموضوع والخصوم.

  • أمام القضاء المدني: يرى أغلب الفقه أنه ليس للأمر بألا وجه أي حجية على الدعوى المدنية التي يرفعها المضرور أمام القضاء المدني للمطالبة بالتعويض.

​خامساً: الأسباب القانونية لإصدار الأمر بألا وجه

​تنص المادة (154) إجراءات على أنه: "إذا رأى قاضي التحقيق أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو أن الأدلة على المتهم غير كافية يصدر أمراً بألا وجه". وتتسع الأسباب القانونية لتشمل أربع حالات رئيسية:

​1. انقضاء الدعوى الجنائية

​تنقضي الدعوى الجنائية لعدة أسباب تشكل حائلاً نهائياً دون الاستمرار فيها:

  • الأسباب الخاصة: مثل التنازل عن الشكوى أو الطلب في الجرائم المعلقة كـ (الزنا، القذف، السب، والسرقة بين الأصول والفروع)، أو الصلح في جرائم التهريب الجمركي.

  • الأسباب العامة: وتشمل (وفاة المتهم، العفو عن الجريمة، مضي المدة والتقادم، أو صدور حكم نهائي في الدعوى).

​2. توافر أسباب الإباحة

​وهي ظروف مادية تطرأ وقت ارتكاب الفعل فترفع عنه الصفة الإجرامية وتجعله مباحاً، وتتمثل في ثلاثة أنواع:

  • الدفاع الشرعي: رد اعتداء حال غير مشروع يهدد مصلحة يحميها القانون بشرط "لزوم الدفاع" و"التناسب مع جسامة الاعتداء".

  • استعمال الحق: مثل (حق التأديب الأسري القائم على الشريعة الإسلامية والقانون، حق ممارسة الألعاب الرياضية وفق قواعدها متعارف عليها، وحق مباشرة الأعمال الطبية المرخصة برضاء المريض وقصد العلاج).

  • أداء الواجب واستعمال السلطة: لا جريمة إذا وقع الفعل من الموظف تنفيذاً لما أمر به القانون، أو تنفيذاً لأمر رئيس وجبت طاعته قانوناً.

​3. موانع المسؤولية الجنائية

​وهي الأسباب التي تعرض لمرتكب الفعل فتجعل إرادته غير معتبرة قانوناً لافتقادها الإدراك والتمييز، ومنها:

  • حالة الضرورة: ظروف تهدد الشخص بخطر جسيم حال لا دخل لإرادته فيه (كقوى الطبيعة) ولا سبيل للخلاص منه إلا بارتكاب الفعل الإجرامي.

  • الجنون أو العاهة العقلية، السكر غير الاختياري، وصغر السن.

​4. موانع العقاب

​وهي الحالات التي تتوفر فيها أركان الجريمة والمسؤولية، ولكن المشرع يقرر إعفاء المتهم من العقاب لاعتبارات سياسية جنائية أو تشجيعاً على التوبة والتبليغ عن الجريمة قبل وقوعها.

​سادساً: الأسباب الموضوعية لإصدار الأمر بألا وجه

​إلى جانب الأسباب القانونية، يصدر الأمر بألا وجه بناءً على أسباب موضوعية تتوصل إليها سلطة التحقيق:

  1. عدم كفاية الأدلة: إذا تبين للمحقق أن الدلائل المجمعة غير كافية لإدانة المتهم أمام محكمة الموضوع.

  1. عدم صحة الواقعة أو عدم معرفة الفاعل: إذا أثبتت التحريات أن الواقعة برمتها وهمية أو لم ترتكب أصلاً، أو تعذر الوصول إلى الفاعل الحقيقي بعد استنفاد كل وسائل التحقيق.
  2. عدم الأهمية (خاص بالترخيص للنيابة العامة): للنيابة العامة سلطة تقديرية في إصدار الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى بسبب موضوعي خالص وهو "مجرد عدم الأهمية"، رغم أن الواقعة تخضع للعقاب قانوناً، وذلك مراعاةً للمصلحة العامة وضآلة الضرر الاجتماعي الناجم عن السلوك المعاقب عليه.

​خاتمة المقال وخلاصة قانونية

​يُعد الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية صمام أمان تشريعي وقضائي يمنع إرهاق كاهل المحاكم بدعاوى غير منتجة أو تفتقر إلى الأساس القانوني والموضوعي السليم. ورغم طبيعته وحجيته المؤقتة، فإنه يوفر حماية حقيقية لحريات الأفراد وحقوق المتهمين أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي.

إذا أعجبك المقال، لا تتردد في مشاركته مع زملائك من رجال القانون والباحثين، واترك لنا تعليقاً بخصوص تجربتك أو استفسارك حول إجراءات النيابة العامة في القانون اليمني والمصري.

.

التسميات:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية