الاثنين، 15 يونيو 2026

الصلاحيات القانونية لمأمور الضبط القضائي في الجرائم المشهودة


​الصلاحيات القانونية لمأمور الضبط القضائي في الجرائم المشهودة: دراسة تحليلية في التشريع اليمني

​المقدمة

​الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد،،

​الزملاء الأكارم..

يسرني أن أضع بين أيديكم هذه المادة القانونية المتخصصة، والتي أحسب أنني قد بذلت في إعدادها جهداً ووقتاً كبيراً. ولا أكون مبالغاً إن قلت: إنني قد تخيرت لكم أثناء كتابتها أجمل الأفكار وأدق التحليلات القانونية التي حصلت عليها من كتب الفقه وأبحاث كبار الفقهاء في هذا المجال؛ إذ كانت محل إعجابي الشديد، ولا أدعي تأليفها من العدم بل هي نتاج انتقاء وتحصيل.

​وكان الدافع وراء هذا الانتقاء والاختيار أمل يحدوني لأقدم لكم مادة تحوي خلاصة قانونية مركزة، أكون قد حققت بها ما أسعى إليه من نيل إعجابكم ورضاكم. وإن كنت قد قصرت أو أخطأت، فأظن أن تفكيري في إرضائكم وتقديم الأفضل لكم قد طغى على تفكيري في مجرد صياغة وإعداد موضوعات هذه المادة.

​ورجاءً مخلصاً.. أطلب من كل صديق وزميل أن يهدي إليّ ما يجده من عيب أو تقصير في هذا الجهد المتواضع حتى لا يظل هذا العيب مستمراً، فجلّ من لا يخطئ. والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه خير هذا الوطن الغالي الذي نعيش جميعاً تحت سمائه.

​والحمد لله رب العالمين أولاً وأخيراً،،

​تمهيد وتقسيم: ماهية الضبط القضائي في القانون اليمني

​بعد وقوع الجريمة مباشرة، تبدأ وظيفة الضبط القضائي، ويقوم بهذه الوظيفة الحيوية عدد من الأجهزة والهيئات التابعة للدولة. إن جوهر هذه الوظيفة يتمثل في: ضبط الجريمة الواقعة، ويكون ذلك بالمحافظة على أدلة وقوع الجريمة حتى يتم جمعها ورفعها، علاوة على تعقب مرتكبيها والقبض عليهم ليتسنى تقديمهم للمحاكمة لمقاضاتهم عن الجرائم التي ارتكبوها؛ لذا سُميت هذه الوظيفة بالضبط القضائي.

​ويُطلق المشرع اليمني على القائمين بهذه الوظيفة مصطلح (مأموري الضبط القضائي) بعد أن أسبغ صفة الضبط القضائي عليهم قانوناً. وممن اعتبرهم القانون مأموري ضبط قضائي في دوائر اختصاصهم:

  • ​مديري الأمن العام.
  • ​مديري المديريات.
  • ​ضباط الشرطة والأمن.
  • ​رؤساء الحرس والأقسام ونقط الشرطة.
  • ​من يندبون للقيام بأعمال الضبط القضائي.
  • ​عقال القرى.
  • ​رؤساء المراكب البحرية والجوية.

​فأعضاء هذه الفئات -أو شاغلو هذه الوظائف- ينتمون في أغلبهم إلى جهاز الشرطة، وهم من يباشرون وظيفة الضبط القضائي عقب وقوع الجريمة من الناحية العملية؛ لدرجة أنه لو أُطلق لفظ "مأمور الضبط القضائي" مجرداً، لانصرف ذهناً إلى منتسبي جهاز الشرطة، مع أن المشرع اعتبر أيضاً أعضاء النيابة العامة والمحافظين من مأموري الضبط القضائي وخولهم رئاسة الضبطية القضائية.

​ونخلص مما سبق إلى حقيقة قانونية هامة وهي: إن إجراءات الضبط القضائي لا يحق -بل لا يجوز- مباشرتها ابتداءً إلا من مأمور الضبط القضائي فقط، إذ لا صفة لغيرهم في القيام بها. وحال مباشرتها فعلاً من مأمور الضبط، فلا تصح إلا إذا كان مختصاً بمباشرتها حسب قواعد الاختصاص المكاني والنوعي.

​خطة المشرع اليمني في تنظيم إجراءات الضبط

​أطلق المشرع اليمني على الإجراءات التي تتم عقب وقوع الجريمة -والتي يباشرها مأمور الضبط القضائي من أعضاء الشرطة- مصطلح "جمع الاستدلالات والتحري فيها". وقد قسّم الأحكام والقواعد المنظمة لإجراءات جمع الاستدلالات إلى فصلين رئيسيين:

  1. الفصل الأول: في مأموري الضبط القضائي وواجباتهم.
  2. الفصل الثاني: في الصلاحيات المقررة لمأمور الضبط القضائي في الجرائم المشهودة وحالات القبض والاستيقاف.

​ويتبين من هذه الخطة أن المشرع اليمني قد فرّق في الإجراءات التي قررها أثناء جمع الاستدلالات بين: واجبات كُلِّف مأمور الضبط القيام بها، وصلاحيات أعطى لمأمور الضبط الحق في استخدامها، وبيان ذلك على النحو الآتي:

  • أولاً: الواجبات (الاختصاص الأصيل): أوجب المشرع على مأمور الضبط (الشرطي) القيام بإجراءات جمع الاستدلال والتحري عقب علمه أو إبلاغه بوقوع الجريمة، إذ كلفه في كل الأحوال بموجب المادتين (91، 92) من قانون الإجراءات الجزائية (أ/ج) بما يلي: "مأمورو الضبط القضائي مكلفون باستقصاء الجرائم ومرتكبيها وفحص البلاغات والشكاوى وجمع الاستدلالات والمعلومات المتعلقة بها وإثباتها في محاضرهم وإرسالها إلى النيابة العامة". كما أوجب عليه في حالة علمه أو إبلاغه بارتكاب جريمة ذات طابع جسيم بقوله: "يجب عليه أن يخطر النيابة العامة وأن ينتقل فوراً إلى محل الحادث للمحافظة عليه وضبط كل ما يتعلق بالجريمة...".
  • ثانياً: الصلاحيات الإضافية المقررة في الجريمة المشهودة: وهي مقررة لضبط الجريمة المشهودة فحسب، بمعنى أن تحقق الجريمة المشهودة على أرض الواقع هو السبب المنشئ والشرط اللازم لهذه الصلاحيات. ونذكّر هنا أن بعض هذه الصلاحيات هي من اختصاص النيابة العامة بحكم الأصل، وقُررت لمأمور الضبط القضائي هنا استثناءً من ذلك الأصل؛ ولذلك وُصفت بأنها اختصاص استثنائي، وهذه الصلاحيات هي موضوع هذه الدراسة.

​خطة الدراسة والبحث

​سيتم -بإذن الله تعالى- دراسة موضوع "الصلاحيات المقررة لمأمور الضبط القضائي في حالة الجريمة المشهودة" من خلال المطلبين الآتيين:

  • المطلب الأول: حقيقة الجريمة المشهودة وحالاتها وشروط صحتها (كمفترض لازم لنشوء هذه الصلاحية).
  • المطلب الثاني: طبيعة الصلاحيات المقررة لمأمور الضبط في الجريمة المشهودة (النوع الأول: سلطات واسعة لمباشرة إجراءات جمع الاستدلال / النوع الثاني: سلطات استثنائية لمباشرة بعض إجراءات التحقيق).

​المطلب الأول: حقيقة الجريمة المشهودة في التشريع اليمني وحالاتها

​لم يرد في قانون الإجراءات الجزائية اليمني نص صريح يعرّف الجريمة المشهودة كمصطلح قانوني مجرد، وإنّما بيّن المشرع في المادة (98) منه حالات الجريمة المشهودة؛ فنصّ على أنّ الجريمة تكون مشهودة حالة ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. واعتبرها مشهودة أيضاً في حالة تتبع الجاني من المجني عليه أو من عامة الناس بالصياح إثر وقوع الجريمة، وحالة ما إذا وُجد مرتكب الجريمة –بعد وقوعها بوقت قريب– حاملاً معه أو به ما يدل على اشتراكه فيها.

​والجريمة المشهودة المذكورة في المادة (98 أ/ج) يُقصد بها قانوناً "التلبس بالجريمة"، ولها معنيان جوهريان:

  1. المعنى الحقيقي للجريمة المشهودة: وهو التعاصر الزمني التام بين لحظة ارتكاب الجريمة ولحظة اكتشافها، أي رؤية الجاني وهو يقترف جريمته مباشرة.
  2. المعنى القانوني الاصطلاحي: وهو التقارب الزمني الوثيق بين لحظة وقوع الجريمة ولحظة اكتشافها، وهذا المعنى الأخير هو الذي يهمنا ويدور حوله نطاق هذه الدراسة.

​أما الجريمة المشهودة في قانون الإجراءات الجزائية فهي: وصف عام أو حالة واقعية تتعلق بكيفية اكتشاف الجريمة لا بأركانها القانونية؛ إذ يقوم هذا الوصف على المشاهدة الفعلية للجريمة وقت ارتكابها أو عقب وقوعها بوقت قريب. أي أنّ هذا الوصف لا يفترض تعديلاً في أركان الجريمة بالزيادة فيها مثلاً؛ فالجريمة المشهودة تقوم على نفس الأركان القانونية للجريمة غير المشهودة.

​بناءً على ذلك، يصح القول: "إنّ الجريمة المشهودة لا تعني جريمة بذاتها، فلا توجد في قانون الجرائم والعقوبات -باعتباره المصدر الوحيد للتجريم- جريمة معينة كجريمة القتل أو الرشوة أو التخابر يطلق عليها مستقلة الجريمة المشهودة، بل إنّها وصف عام ورد في قانون الإجراءات الجزائية ينطبق على أيّة جريمة متى تحقق فعلها المادي متزامناً أو متقارباً مع لحظة اكتشافه وظهوره".

​أولاً: حالات قيام الجريمة المشهودة حصرًا

​حدّد المشرع اليمني حالات الجريمة المشهودة على سبيل الحصر في أربع حالات رئيسية، وهي:

​1. مشاهدة الجريمة حالة ارتكابها

​وهي أظهر حالات الجريمة المشهودة وتمثل التلبس بمعناه الحقيقي، وتعني أنّ الفعل المادي المكون للجريمة قد وقع تحت نظر مأمور الضبط القضائي أو أدركه بأي حاسة من حواسه. فمشاهدة الجريمة هنا لا تعني الرؤية البصرية فقط، بل تعني الإدراك بأوسع معانيه لتشمل إدراك الجريمة لحظة وقوعها بأي حاسة من الحواس (كالشم، السمع، اللمس، والذوق).

  • أمثلة تطبيقية: أن يشاهد مأمور الضبط المتهم وهو يطلق النار على المجني عليه، أو يضع يده في جيب الضحية لسرقته، أو يراه وهو يحمل مخدراً، أو يشم رائحة المخدر الذي يدخنه المتهم، أو يسمع بوضوح صوت أعيرة نارية تنطلق من سلاحه.

​2. مشاهدة الجريمة عقب ارتكابها ببرهة يسيرة

​تتحقق الجريمة المشهودة بهذه الصورة بمجرد رؤية الآثار والأدلة التي تشير إلى أن وقوع الجريمة كان قريباً جداً، ويتحقق ذلك إما برؤية النتيجة المترتبة على السلوك الإجرامي أو جسم الجريمة ذاته. فهذه الحالة تفترض انتهاء الفعل المكون للجريمة وتستلزم لتوافرها أن يكون مأمور الضبط القضائي قد عاين نتيجة الجريمة أو آثارها الساخنة.

ووجه الدقة هنا يتمثل في تحديد الفاصل الزمني بين وقوع الجريمة ومشاهدتها؛ ولقد كان المشرع اليمني شديد الحرص على أن يكون هذا الفاصل قصيراً جداً، وقد أفصح عن ذلك بألفاظ واضحة وهي أن تكون المشاهدة "عقب" الجريمة -والتعاقب ينفي التراخي- وزيادة في الحرص حدد الزمن بـ "برهة يسيرة".

  • أمثلة تطبيقية: أن يشاهد مأمور الضبط القضائي جثة القتيل والدماء ما زالت تنزف منها، أو يشاهد النيران ما زالت مشتعلة في المنزل الذي أحرقه المتهم للتو.

​3. حالة تتبع مرتكب الجريمة مع الصياح إثر وقوعها

​تتحقق حالة الجريمة المشهودة هنا بتتبع المجني عليه أو مجموعة من عامة الناس لمرتكب الجريمة مع الصياح إثر وقوعها. وعليه، فإنه يلزم لتوافر هذه الحالة شرطان متلازمان:

  • ​تتبع المتهم من قبل المجني عليه أو المارة مع الصياح.
  • ​أن يكون هذا التتبع والصياح إثر وقوع الجريمة مباشرة (أي تعاقب فوري يمنع التراخي الزمني).
  • مثال: أن يشاهد مأمور الضبط بعض المارة وهم يجرون وراء مرتكب الجريمة ويصيحون بعبارات مثل "حرامي حرامي". وبناءً عليه، فلا تتوافر حالة الجريمة المشهودة بهذه الصورة إذا كان الجاني قد ارتكب الجريمة قبل يومين مثلاً ثم رآه المجني عليه صدفة فقام بتتبعه بالصياح.

​4. مشاهدة الجاني ومعه -أو به- ما يدل على اشتراكه في الجريمة

​وتتحقق هذه الحالة حال مشاهدة الجاني نفسه حاملاً لأدوات الجريمة أو به أثر مادي واضح من آثارها يدل على مساهمته فيها، شرط أن تكون هذه المشاهدة في وقت قريب جداً من وقوع الجريمة.

  • أمثلة تطبيقية: رؤية الجاني يخرج مسرعاً من مكان الحادث وبيده مسدس، أو رؤية الجاني وعلى وجهه خدوش أو سحجات حديثة تدل على ضلوعه في جريمة اعتداء ومقاومة من المجني عليه، أو مشاهدة ملابسه وهي ملطخة بالدماء، أو وجود أمتعة وأشياء مسروقة بحوزته؛ فكلها علامات تشكل قرينة قوية على أنه مرتكب الفعل.
  • خلاصة هامة: يتضح من هذه الحالات أمران؛ أولهما أهمية عامل الزمن كقاسم مشترك يتدرج من لحظة الارتكاب إلى البرهة اليسيرة ثم الوقت القريب. وثانيهما أن حقيقة الجريمة المشهودة تقوم على دعامتين: (مظاهر خارجية معينة تدل على وقوع الجريمة) و(لحظة معينة يتم فيها إدراك هذه المظاهر). ولذلك لا يكفي لقيام التلبس أن يتولد اليقين الذاتي لدى مأمور الضبط بوقوع الجريمة مهما قويت الأدلة، بل لابد من إدراك مظاهرها المادية بنفسه في وقت قريب

ثانياً: ضوابط وشروط ممارسة الصلاحيات في الجريمة المشهودة

    ​1. الضوابط المتعلقة بطبيعة الجريمة المشهودة

    ​هناك عدد من الضوابط التي تحكم حالات الجريمة المشهودة وتعتبر ضوابط موضوعية للصلاحيات المترتبة عليها:

الحصر القانوني: أورد المشرع اليمني حالات الجريمة المشهودة في المادة (98 أ/ج) على سبيل الحصر، فلا يجوز القياس عليها أو إضافة حالات أخرى إليها.
  • المعايشة لا اشتراط رؤية الفعل ذاته: لا يشترط لقيام حالة الجريمة المشهودة أن يرى مأمور الضبط المتهم وهو يرتكب السلوك الإجرامي بنفسه؛ بل تكفي مشاهدة الجريمة وعياناً عقب ارتكابها مباشرة أو معايشة آثارها الحية (مثال: أن يعاين مأمور الضبط التوصيلات والمصابيح الكهربائية مضاءة في منزل شخص لم يتعاقد أصلاً مع شركة الكهرباء).
  • امتداد الصلاحية لجميع الشركاء: إذا تحقق مأمور الضبط من توافر حالة الجريمة المشهودة في أي فعل جنائي، جاز له اتخاذ صلاحيات القبض والتفتيش ضد جميع الأشخاص الذين تقوم الدلائل على أنهم فاعلوها أو شركاء فيها، ولو لم يشاهد أيّاً منهم في مسرح الجريمة وهو يقترفها.
  • الاقتصار على الجريمة المتلبس بها: تتحدد صلاحيات مأمور الضبط وتقتصر على الجريمة التي توافرت فيها إحدى حالات الجريمة المشهودة ولا تمتد إلى غيرها من الجرائم ولو كانت وثيقة الصلة بها (مثال: إذا لم يثبت أن جريمة "إخفاء الأشياء المسروقة" كانت في إحدى حالات الجريمة المشهودة، فلا يجوز لمأمور الضبط استخدام صلاحياته الاستثنائية فيها استناداً إلى أن جريمة السرقة الأصلية التي تحصلت منها هذه الأشياء كانت جريمة مشهودة).
  • الاعتماد على المظاهر الخارجية: وصف الجريمة يتعلق بالركن المادي ويقوم على مظاهر خارجية تبدو لمأمور الضبط وتجعله يعتقد مشروعاً بتوافر الحالة، ولو ثبت لاحقاً عدم صحة هذه المظاهر أو أن الجريمة لم ترتكب نهائياً؛ إذ العبرة بالظاهر السائغ وقت اتخاذ الإجراء.
​2. الشروط الإجرائية لممارسة الصلاحيات
​يشترط لممارسة الصلاحيات المقررة في حالة الجريمة المشهودة الشروط القانونية التالية:
  • الإدراك الشخصي المباشر: يجب أن يشاهد مأمور الضبط القضائي أو يدرك بنفسه وبإحدى حواسه حالة الجريمة المشهودة. وبناءً عليه، فإن الأدلة القولية أو الرواية عن الغير (السمع من الآخرين) لا تكفي لقيام حالة الجريمة المشهودة بالنسبة له؛ فالجريمة لا تكون مشهودة إلا لمن عاينها بنفسه، وهو وحده من يخول له القانون الصلاحيات الاستثنائية.
  • مشروعية وسيلة الاكتشاف: يشترط أن يتم إدراك الجريمة المشهودة بطريقة مشروعة؛ فإذا تم اكتشاف التلبس بناءً على سلوك غير مشروع أو باطل (كما لو ساهم مأمور الضبط في خلق الجريمة، أو أمر أحد مساعديه بوضع قطعة مخدر في سيارة شخص لضبطه متلبساً)، فإن الإجراءات المترتبة عليها كالقبض والتفتيش تقع باطلة بطلاناً مطلقاً.
  • الوجود السابق لحالة التلبس: يشترط لصحة ممارسة الصلاحيات ضرورة توافر حالة الجريمة المشهودة مسبقاً قبل استخدام الصلاحية الاستثنائية لا بعده؛ فحالة الجريمة المشهودة هي الشرط المفترض والمصدر القانوني الذي تنشأ عنه هذه الصلاحيات.
​المطلب الثاني: طبيعة الصلاحيات المقررة لمأمور الضبط في الجريمة المشهودة
​اعتبر المشرع اليمني أنّ وقوع الجريمة بحالة مشهودة يعد سبباً كافياً لمنح مأمور الضبط القضائي صلاحيات واسعة تفوق ما خُوِّل به في الأحوال العادية للجرائم التي تقع بعيداً عن مشاهدته؛ والهدف من ذلك هو تمكينه من سرعة التدخل للمحافظة على الأدلة والقبض على الفاعلين.
​ومع ذلك، فإن هذه الصلاحيات تظل صلاحيات محدودة واستثنائية ومقتصرة على ما ورد به النص صراحة؛ مما يعني منع مأمور الضبط من مباشرة أي إجراء تحقيق آخر خارج هذا النطاق كونه يظل اختصاصاً أصيلاً للنيابة العامة. وتنقسم هذه الصلاحيات إلى صورتين رئيسيتين:
​الفرع الأول: التوسع في سلطات الاستدلال في حالة الجريمة المشهودة
​جمع الاستدلال هو اختصاص أصيل لمأمور الضبط القضائي في كل الجرائم، إلا أنه في حالة الجريمة المشهودة منح المشرع مأمور الضبط سلطات إضافية واسعة لضمان إثبات الحالة، ونجمل هذه السلطات في الآتي:
​أولاً: الانتقال وإجراء المعاينة وإثبات الحالة
​طبقاً للمادة (99 أ/ج)، يجب على مأمور الضبط اتخاذ الإجراءات التالية فور علمه بالجريمة المشهودة:
  • الانتقال الفوري إلى محل الواقعة مع إخطار النيابة العامة بانتقاله.
  • معاينة الآثار المادية للجريمة المشهودة والمحافظة عليها وإثبات حالة الأماكن والأشخاص وكل ما يفيد في كشف الحقيقة.
​مفهوم المعاينة وإثبات الحالة وطرق تنفيذها
​المعاينة هي عبارة عن مناظرة ووصف وفحص مادي دقيق ومباشر للمكان الذي ارتكبت فيه الجريمة بما يحويه من أشياء وأشخاص، بهدف جمع الآثار المادية التي تدل على الجريمة وإسنادها إلى فاعلها بواسطة الحواس أو الأجهزة العلمية الحديثة. وتشمل المعاينة ثلاثة نطاقات:
  • معاينة الأماكن: وتشمل مكان وقوع الحادث الإجرامي، مكان وجود الآثار المتخلفة (مثل مقذوفات الأعيرة النارية)، وأماكن وجود الأدوات المستخدمة.
  • معاينة الأشخاص: وتعني وصف وفحص الآثار المادية على ملابس وجسم الشخص. فإذا كان (مجني عليه مصاباً) تُفحص إصاباته ومواضعها، وإذا كان (ميتاً) توصف حالة الجثة بدقة. وإذا كان الشخص (متهماً) فيُفحص جسده لاكتشاف الخدوش الناتجة عن مقاومة الضحية. أما إذا كان (شاهداً) فيركز الفحص على قدراته الجسدية كقوة الإبصار ومدى إمكانية الرؤية من مكانه.
  • معاينة الأشياء: وتشمل الآثار المادية المتخلفة (الظاهرة والخفية)، الأدوات المستخدمة في الجريمة، والمنقولات الموجودة بمسرح الجريمة تمهيداً لضبطها.
​طرق إثبات الحالة وتحرير المحضر
​يتم إثبات المعاينة عبر ثلاثة طرق رئيسية: المحضر الكتابي، الصور الفوتوغرافية، الرسوم التخطيطية والبيانية (الكروكي). ويتعين أن يتضمن المحضر الكتابي البيانات الجوهرية التالية لضمان سلامته قانوناً:
  • ​بيان وقت وساعة الانتقال وإجراء المعاينة، والحالة الطبيعية للجو ودرجة الإضاءة.
  • ​وصف موقع المكان والطرق المؤدية إليه والمعالم العمرانية القريبة.
  • ​الوصف الدقيق لحالة المنافذ والأبواب التي يمكن الدخول منها وبيان حالتها الراهنة.
  • ​وصف المحتويات والآثار الموجودة بها، ووصف الجثة وحالتها وما بها من إصابات ظاهرة وملابسها.
  • ​وصف الآثار المعثور عليها وأشكالها وأماكن الآلات المستخدمة.
  • ملاحظة إجرائية: في حال انتقال مأمور الضبط ومشاهدته للفعل المكون للجريمة وضبط الشيء المسروق مع السارق مثلاً، يتعين عليه تحرير محضر يُسمى (محضر ضبط واقعة)، أمّا في غير ذلك من أحوال المعاينة فيسمى (محضر إثبات حالة).

      ​ثانياً: جمع الإيضاحات ومنع الحاضرين من المغادرة

      ​طبقاً للمادتين (99، 100 أ/ج)، خول القانون لمأمور الضبط بهدف جمع الإيضاحات عن الجريمة المشهودة ومرتكبها الصلاحيات التالية:

      • ​سماع أقوال الأشخاص الحاضرين وكل شخص يمكن الحصول منه على إيضاحات وتحرير محاضر بإثبات أقوالهم.
      • سلطة منع الأشخاص الموجودين في مكان الجريمة من الخروج منه أو الابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر.
      • سلطة استدعاء أي شخص للحضور فوراً للحصول منه على إيضاحات لبيان الجريمة.

      ​الطبيعة القانونية لإجراءي المنع والاستحضار

      ​لقد خصص المشرع المادة (99 أ/ج) لتشمل الجرائم المشهودة كافة بصرف النظر عن جسامتها، بينما خصص المادة (100 أ/ج) بالجرائم الجسيمة؛ وبناءً عليه فإن سلطة "منع الحاضرين من الخروج" و"الاستدعاء الفوري" هما صلاحيتان مقصورة على الجرائم المشهودة ذات الطابع الجسيم فقط حسب تخصيص المادة (100). وتتمثل طبيعتهما القانونية في الآتي:

      • الأمر بالمنع من مغادرة المكان: هو أمر للحاضرين بالبقاء في أماكنهم لضمان استقرار النظام بمسرح الجريمة وتفادي العبث بالأدلة، وليس إرغاماً لهم بالقوة المادية ابتداءً.
      • الاستحضار (الاستدعاء الفوري): هو دعوة رسمية فورية للحضور للحصول على المعلومات قبل التأثير على الشخص، وليس إحضاراً بالقوة الجبرية ابتداءً.
      • الجزاء القانوني للمخالفة: يبقى لمن وُجه إليه أمر المنع أو الاستدعاء أن يستجيب أو يرفض، وعليه في حال الرفض أن يتحمل العقوبة القانونية؛ وهي أن يوضع في التوقيف حتى يُعرض على القاضي المختص للحكم عليه بالعقوبة المقررة في قانون الإجراءات الجزائية.
  • قواعد مستخلصة:
​إن إجراء الانتقال إلى مكان الجريمة وإخطار النيابة يعد إلزامياً على مأمور الضبط، وعدم القيام به يستوجب مسؤوليته التأديبية، ولكنه لا يترتب على الإخلال بهذا الالتزام بطلان إجراءات المعاينة التالية.
      • ​لمأمور الضبط في سبيل فحص الأدلة الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة بما في ذلك (ندب الخبراء) والتحفظ على المضبوطات.

  • ​الفرع الثاني: صلاحيات مأمور الضبط الاستثنائية في مباشرة إجراءات التحقيق

        ​القاعدة العامة في التشريع اليمني أن الاختصاص الأصيل لمأمور الضبط ينحصر في إجراءات الاستدلال، وأن إجراءات التحقيق هي اختصاص مطلق للنيابة العامة؛ والمعيار في التمييز بينهما هو مدى ما ينطوي عليه الإجراء من مساس بالحقوق والحريات الشخصية والضمانات الدستورية للأفراد.

        ​إلا أن المشرع خالف هذه القاعدة في حالة الجريمة المشهودة، وقرر لمأمور الضبط صلاحيات استثنائية تمس حريات المتهم وحرمة مسكنه وشخصه بموجب المادتين (101، 102 أ/ج)، وتنحصر في إجراءين هما: القبض والتفتيش.

        ​أولاً: سلطة مأمور الضبط في القبض على المتهم

        • السند القانوني: تنص المادة (101 أ/ج) على أنه: "في الجرائم المشهودة المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر يحق لمأمور الضبط القضائي القبض على كل شخص يستدل بالقرائن على أنه الفاعل للجريمة أو له علاقة بها إن كان حاضراً أو أن يأمر بإحضاره إن كان غائباً".

        ​1. حقيقة القبض والضبط والإحضار

        ​القبض قانوناً (وفق المادة 70 أ/ج) هو: ضبط الشخص وإحضاره أمام المحكمة أو النيابة أو مأمور الضبط في الحالات المنصوص عليها قانوناً، ويترتب عليه حرمان المقبوض عليه من حريته في التجول وحجزه لفترة يسيرة تمهيداً للتصرف في أمره. وقد ميّزت المادة (101 أ/ج) بين حالتين:

        • ​إذا كان المتهم حاضراً في مسرح الجريمة المشهودة: يُسمى الإجراء قبضاً.
        • ​إذا كان المتهم غائباً: يحق لمأمور الضبط أن يصدر أمراً بضبطه وإحضاره ويُثبت ذلك في محضره، ويمكن تنفيذ هذا الأمر بواسطة أحد رجال الشرطة تحت إشرافه.

        ​2. شروط صحة القبض الواقع من مأمور الضبط

        ​يشترط لصحة القبض دون إذن مسبق من النيابة العامة الشروط القانونية الصارمة التالية:

        • الشروط المتعلقة بالجريمة:
          • أن تكون الجريمة مشهودة: يجب أن يرتكب المتهم جريمته في إحدى الحالات المحصورة قانوناً، وأن يكون اكتشاف التلبس سابقاً على إجراء القبض؛ فالجريمة المشهودة هي السبب المنشئ للقبض، فلا يجوز القبض أولاً للبحث عن تلبس.
          • جسامة العقوبة القانونية: يجب أن تكون الجريمة المشهودة معاقباً عليها قانوناً بالحبس لمدة تزيد على ستة أشهر. ويترتب على ذلك نتائج هامة: لا يجوز القبض على المتهم في جريمة مشهودة عقوبتها الحبس أقل من ستة أشهر، ولا يجوز القبض في الجرائم المعاقب عليها بالغرامة فقط، ولا يجوز القبض في المخالفات أياً كانت.
        • الشروط المتعلقة بالمتهم (توافر القرائن الكافية):
          • ​وجوب توافر قرائن وأدلة واقعية قوية ضد من يُراد القبض عليه يصح معها العقل والمنطق اتهامه بارتكاب الجريمة أو المشاركته فيها. ولا يغني تحقق حالة التلبس عن شرط القرائن؛ لأن وصف الجريمة المشهودة ينصرف إلى الجريمة ذاتها لا إلى شخص المتهم بها. وبناءً عليه، لا يجوز القبض على الشخص لمجرد البلاغ ضده دون قيام قرائن مادية تسوغ ذلك وإلا كان القبض باطلاً.
        • الشروط المتعلقة بالآمر بالقبض وإجراءاته:
          • ​يجب على مأمور الضبط فور القبض على المتهم فتح محضر لسماع أقواله (استجوابه الأولي)، وإحالته مع المحضر إلى النيابة العامة خلال مدة أربع وعشرين ساعة كحد أقصى (المادة 105 أ/ج).
          • ​يُلزم مسؤول مركز الشرطة (بموجب المادة 106 أ/ج) بإثبات جميع حالات القبض والضبط في سجل خاص (يتضمن: الاسم، الصفة، الكيفية، التاريخ، الساعة، السبب، ووقت الانتهاء)، واستخراج صورة يومية من هذا السجل وعرضها فوراً على النيابة العامة.
          • ​يجب أن يكون أمر القبض كتابة وموقعاً عليه ممن أصدره، ويجوز أن يكون الآمر بالقبض شفوياً بشرط أن يُنفذ الإجراء في حضور مأمور الضبط الآمر به ذاته (المادة 72 أ/ج). وسقوط أمر القبض مالم يُنفذ يكون بمرور ثلاثة أشهر على صدوره ما لم يجدد (المادة 74 أ/ج).

        ​3. صلاحيات وضمانات منفذ أمر القبض وحقوق المتهم

        ​بموجب المواد (78 إلى 82 أ/ج)، تتوفر لمن يقوم بتنفيذ أمر القبض الصلاحيات التالية:

        • ​استعمال القوة اللازمة (دون إفراط) لتنفيذ الأمر في حال المقاومة.
        • ​دخول مسكن الشخص المطلوب أو مسكن غيره، ويحق له اقتحامها عنوة عند الرفض أو المقاومة.
        • ​تفتيش المقبوض عليه لتجريده من الأسلحة وكل ما يحتمل استعماله للمقاومة أو الهرب وتسليمها للآمر بالقبض.
        • شرط تفتيش الأنثى: إذا كانت المطلوب القبض عليها أنثى، فلا يجوز تفتيشها إطلاقاً إلا بمعرفة أنثى مثلها يُندب لها ذلك.
        • إنابة التنفيذ: إذا كان الأمر موجهاً لرجال الشرطة دون تعيين، جاز لأي منهم تنفيذه، ويجوز لمن وُجه إليه الأمر عند الضرورة أن يحيله إلى زميل له كتابةً مذيلاً بتوقيعه.
        • حقوق المقبوض عليه (المواد 71، 73، 77 أ/ج): للمقبوض عليه حقوق دستورية يجب احترامها؛ إذ يجب معاملته بوصفه بريئاً، ويحظر تماماً إيذاؤه مادية أو معنوياً لحمله على الاعتراف، ويُحجز في مكان منفصل عن المحكوم عليهم. وله الحق في إبلاغه بأسباب القبض، والاطلاع على أمر القبض، والاتصال بمن يرى لإبلاغهم، والاستعانة بمحامٍ مدافع عنه.


          ​ثانياً: سلطة مأمور الضبط في التفتيش والضبط في الجريمة المشهودة

          • السند القانوني: تنص المادة (102 أ/ج) على أنه: "لمأمور الضبط القضائي في الحالات المنصوص عليها في المادة (101) [أي الجرائم المشهودة المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر] أن يفتش المتهم ومنزله ويضبط الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة متى وجدت أمارات قوية تدل على وجودها فيه".

          ​1. حقيقة التفتيش وخصائصه القانونية

          ​التفتيش كإجراء قانوني هو: البحث عن الشيء في موضع له حرمة يحميه القانون (كمستودع السر أو المسكن الدستوري) بغض النظر عن إرادة صاحبه، بهدف الحصول على الأدلة المادية لجريمة وقعت بالفعل.

          وهذا المفهوم يميز التفتيش القانوني عن التفتيش بالمعنى العام؛ فالبحث الذي يقوم به مأمور الضبط في الصحراء أو الطريق العام أو الأماكن المفتوحة لا يُعد تفتيشاً بالمعنى القانوني لانتفاء حرمة المكان وإنما هو إجراء استدلال عادي. ويتسم التفتيش القانوني بأنه: ينطوي على قدر من الجبر والإكراه عند المقاومة، ويمس الحق في السرية، وغايته البحث عن أدلة جريمة وقعت بالفعل ولا يتعلق بجريمة مستقبليّة محتملة.

          ​2. نطاق وشروط سلطة التفتيش في الجريمة المشهودة

          ​حددت المادة (102 أ/ج) حدود سلطة مأمور الضبط في نطاقين لا يجوز تجاوزهما: تفتيش شخص المتهم، وتفتيش منزل المتهم.

          وبمفهوم المخالفة، يحظر على مأمور الضبط تفتيش شخص أو منزل غير المتهم في أحوال الجريمة المشهودة؛ إذ يظل تفتيش الغير إجراء تحقيق خالص يتطلب إدراكاً وإذناً مباشراً وخاصاً من النيابة العامة. وتنصرف صفة المتهم هنا إلى كل من قامت ضده قرائن كافية على مساهمته في الجريمة المتلبس بها ولو لم يُشاهد في مسرحها وقت الارتكاب.

          ​وتتمثل شروط التفتيش الصائغ في الآتي:

          • ​**الشروط العامة للمباشرة:**سبق قيام حالة الجريمة المشهودة قانوناً وبطريقة مشروعة قبل البدء في التفتيش. وأن تكون الجريمة معاقباً عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر. والتزام الغاية التي أُبيح التفتيش من أجلها (البحث عن أدلة تلك الجريمة بذاتها)، فلا يجوز التفتيش في أماكن يستحيل عقلاً وجود أدلة الجريمة فيها (كالبحث عن سلاح آلي مسروق في أوراق رسائل صغيرة).
          • الشروط الخاصة بتفتيش شخص المتهم: توافر دلائل على وجود أشياء تفيد في كشف الحقيقة بحوزته، وإذا كان المتهم أنثى وجب تفتيشها بواسطة أنثى مثلها.
          • الشروط الخاصة بتفتيش منزل المتهم: أن يكون المنزل خاصاً بالمتهم نفسه لا بغيره. وجود أمارات قوية تدل على وجود الأشياء أو الأوراق المفيدة فيه. حظر الاطلاع على الأسرار الشخصية أو العائلية التي لا صلة لها بالجريمة. وأخيراً، وجوب حصول التفتيش بحضور المتهم أو من ينيبه، وبحضور شاهدين (من أقاربه أو من جيرانه في حال غيابه)؛ ويعد حضور الشاهدين إجراءً جوهرياً وإلزامياً يترتب على مخالفته بطلان التفتيش وما يسفر عنه.

          ​3. سلطة ضبط الأشياء وضماناتها القانونية

          ​الضبط هو وضع اليد مادياً على شيء يتصل بالجريمة ويفيد في كشف الحقيقة. وتتضح طبيعته القانونية (هل هو إجراء استدلال أم تحقيق؟) من خلال الكيفية التي تم بها:

          • ضبط كإجراء تحقيق: إذا كان الشيء في حيازة شخص واقتضى الأمر نزع حيازته رغماً عنه بناءً على التفتيش الاستثنائي في الجريمة المشهودة (المادة 102 أ/ج).
          • ضبط كإجراء استدلال: إذا تم العثور على الشيء عَرَضاً بمسرح الجريمة، أو سُلِّم اختياراً من صاحبه، أو عُثر عليه دون الاعتداء على حيازة قائمة (المادة 92 أ/ج).

          ​ويقع الضبط على الأشياء المادية فقط (سواء كانت منقولاً أو عقاراً، مملوكاً للمتهم أو لغيره ما دام في حيازة المتهم ويفيد في كشف الحقيقة)، ولا يرد على الأشخاص (فالتعامل معهم يسمى قبضاً) ولا على المعنويات (فمراقبة المحادثات وتسجيلها لا يعد ضبطاً بالمعنى الدقيق).

          قاعدة التدخل العرضي للجريمة الأخرى: ينبغي أن يقتصر الضبط على ما يفيد الحقيقة في الجريمة المشهودة ذاتها. ومع ذلك، إذا ظهرت "عرضاً" أثناء التفتيش القانوني أشياء تعد حيازتها في ذاتها جريمة أخرى (مثل العثور على مخدرات أثناء البحث عن سلاح الجريمة المشهودة)، فيجوز لمأمور الضبط ضبطها قانوناً وإثباتها في المحضر بناءً على نظرية الجريمة العرضية.


          ​الفرع الثالث: الإجراءات التطبيقية والعملية للتفتيش والضبط والتحريز

          ​لضمان سلامة الإجراءات من البطلان أمام القضاء، يتعين على مأمور الضبط اتباع الخطوات التطبيقية التالية بدقة:

          ​أولاً: تحرير محضر التفتيش وبياناته الإلزامية

          ​المحضر هو الشهادة المكتوبة الرسمية التي يثبت فيها مأمور الضبط ما شاهده بنفسه وما اتخذه من إجراءات. ويجب أن يُحرر باللغة العربية ويتضمن البيانات الأساسية التالية:

          • تاريخ وساعة التحرير بدقة: لأهميته في تحديد تسلسل الإجراءات وترتيب آثار البطلان أو المشروعية.
          • اسم المحرر وصفته وتوقيعه الحيي: المحضر العاري من التوقيع والصفة لا قيمة له ولا أثر قانوني له.
          • بيان الإجراءات والظروف الطبيعية: تشمل ساعة الانتقال، حالة الجو، درجة الإضاءة، والوصف الدقيق للمكان ومنافذه ومحتوياته.
          • وصف المضبوطات وفق المادة (151 أ/ج): يجب تبيان أوصاف الأشياء المضبوطة وحالتها الراهنة وكيفية ضبطها والمكان الذي عُثر عليها فيه بالتحديد، وإثبات أقوال من ضبطت لديه بشأنها. كما يجب أن يتضمن المحضر ما يطلبه المتهم من إثبات أشياء يرى أنها تؤيد دفاعه ليكون المحضر مرآة صادقة للواقع.

          ​ثانياً: القواعد القانونية لتحريز المضبوطات وحفظها

          ​بموجب القواعد الإجرائية المتبعة، يتعين على مأمور الضبط القيام بالآتي قبل مغادرة مسرح الجريمة:

          • ​وضع المضبوطات في أحراز مناسبة لحجمها وطبيعتها (أكياس، صناديق، أو مظاريف).
          • الختم عليها بالختم الرسمي لمركز الشرطة أو الضبطية القضائية بشكل يمنع فتحها دون كسر الختم.
          • ​تلصق عليها بطاقات تعريفية تتضمن البيانات التالية: (تاريخ الضبط، مكانه، سببه، رقم القضية المتعلقة بها، وتوقيع من قام بالضبط).
          • ​تتم هذه الإجراءات بالكامل قبل مغادرة مكان الضبط إن أمكن ذلك عملياً.
​ثالثاً: الدليل العملي لخطوات عمليات التفتيش الناجحة
​تنقسم العمليات التطبيقية إلى مرحلتين متكاملتين لضمان إحكام السيطرة القانونية والمادية:
​1. الإجراءات السابقة على التفتيش (مرحلة التخطيط)

​تعيين هوية الشخص المراد تفتيشه بدقة وجمع التحريات عنه.
​تحديد ومعاينة المكان المراد تفتيشه ودراسة طبيعة المنطقة جغرافياً وعمرانياً.
          • ​بيان وتحديد الجريمة المشهودة والأشياء المستهدف البحث عنها بدقة.
          • ​تحديد القوة الأمنية وتوزيع الأسلحة والأدوار وتعيين قوة خارجية للمحاصرة وقوة داخلية مرافقة للمأمور.
          • ​تحديد نقطة أمنية آمنة لتجمع أفراد القوة بعد انتهاء المأمورية بنجاح.

​2. الإجراءات المعاصرة لعمليات التفتيش (مرحلة التنفيذ)

          • ​إطباق الحصار التام على المكان من جميع الجهات ومنع الجمهور أو المارة من الاقتراب أو الدخول.
          • ​منع خروج أي شخص متواجد داخل المكان ومحاصرتهم جميعاً في غرف واحدة مؤمنة.
          • ​الالتزام التام بـ عدم جعل التفتيش سمعياً؛ بل يجب التفتيش البصري والمادي الفعلي.
          • ​أن يباشر مأمور الضبط القضائي عملية التفتيش بنفسه وبحضور المتهم والشهود بصفة مستمرة.
          • ​ملاحظة التغيرات العصبية والجسدية والملامح على الشخص المتهم أثناء اقتراب المأمور من مخبأ معين؛ إذ تعد مؤشراً حيوياً.
          • ​الاستعانة بالمساعدات الفنية الحديثة (مثل أجهزة كشف المعادن أو وسائل الإضاءة المتطورة)، والتزام الغرض المقصود للتفتيش دون انحراف.

​خاتمة الدراسة

​إن الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة لمأمور الضبط القضائي في حالة الجريمة المشهودة في القانون اليمني، تمثل توازناً دقيقاً وضعه المشرع بين حق الدولة في سرعة عقاب المجرمين وحفظ الأدلة الساخنة، وبين الحماية الدستورية لحريات المواطنين وحرمة مساكنهم. ولذلك، فإن أي تجاوز من مأمور الضبط للشروط والضوابط الشكلية أو الموضوعية الواردة في مواد القانون، يترتب عليه بطلان الإجراء وإهدار الدليل المستمد منه أمام عدالة القضاء، مما يستوجب على القائمين بإنفاذ القانون دراسة هذه الأحكام والتقيد بها بدقة متناهية.

التسميات:

صور جرائم الشكوى في قانون الإجراءات الجزائية اليمني


​صور جرائم الشكوى في قانون الإجراءات الجزائية اليمني

​مقدمة عامة

​بسم الله الرحمن الرحيم. درجت غالبية قوانين الدول في عصرنا الحاضر على جعل النيابة العامة هي صاحبة الحق في تحريك الدعوى الجنائية، نيابة عن المجتمع، وتقوم بها عادة بمجرد علمها بالجريمة والمتهمين فيها، غير أنه في أحوال خاصة وضع القانون قيوداً على سلطة النيابة في تحريك الدعوى الجنائية، وهذه القيود هي: شكوى المجني عليه، والإذن، والطلب. ولا بد من رفع هذا القيد لكي تستعيد النيابة العامة سلطتها في تحريك الدعوى الجنائية.

​وتسند أهمية دراسة حق الشكوى كقيد إجرائي على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى من الحاجة إلى ضرورة وضع معايير دقيقة وسليمة لإيجاد نوع من التوازن بين المصلحة العامة والخاصة (الشخصية) في وضع قيود على سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجزائية؛ وذلك من خلال تقدير المقنن لشعور المجني عليه، ليترك له مدى ملاءمة تحريك الدعوى الجنائية مراعاة لمصالحه الشخصية والاجتماعية، وخاصة في تلك الجرائم التي يتضاءل ضررها العام أمام الضرر الخاص الذي لحق بالمجني عليه، حيث تتوقف النيابة العامة عن تحريك الدعوى الجزائية ضد المتهم حتى يتقدم المجني عليه بشكواه مطلقاً بذلك يد النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ضد المتهم.

​والشكوى كقيد استثنائي يرد على سلطة النيابة العامة - إلى جانب قيدي الإذن والطلب - وإن كانت من النظام العام إلا أنها ذات طبيعة إجرائية وفي حال تخلفها يحكم بعدم قبول الدعوى. وقبل الحديث عن صور جرائم الشكوى في قانون الإجراءات الجزائية اليمني، لا بد أن نتحدث عن مفهوم الشكوى لغة واصطلاحاً، كما ينبغي أن نعرف كلاً من الإذن والطلب باعتبارهما قيدين من قيود الدعوى الجنائية، وذلك في فقرات ثلاث فيما يلي:

​أولاً: القيود الإجرائية الواردة على الدعوى الجزائية (الشكوى، الطلب، الإذن)

​1. مفهوم الشكوى لغة واصطلاحاً وموقف شراح القانون

الشكوى لغة: شكى (شكاه) أي أخبر عنه بسوء فعله، والاسم الشكوى، وأشكاه: فعل فعلاً أحوجه إلى أن يشكوه، وأشكاه أيضاً: أعتبه من شكواه، ونزع عن شكايته، وهو من الأضداد، والشكوى هي التظلم، فشكى من شخص: أي تظلم منه.

​هذا، ولم تتطرق غالبية قوانين الإجراءات الجزائية لتعريف الشكوى، كغيرها من المصطلحات القانونية تاركة هذه المهمة للشراح، مما حدا بكثير من فقهاء القانون الجنائي التعرض لتعريف الشكوى؛ وتُعرف الشكوى بأنها (( بلاغ يقدمه المجني عليه إلى الجهات المختصة لمحاكمة مرتكب الجريمة ))، وهذا التعريف يمتاز أنه اشترط أن تقدم الشكوى إلى السلطات المختصة، ولكن يؤخذ عليه أنه خلط بين البلاغ والشكوى ولم يشر إلى أن هذا الحق يكون في جرائم محددة، ويقدم خلال مدة محددة.

​وعرفها فريق ثانٍ بأنها (( تعبير المجني عليه عن إرادته في أن تتخذ الإجراءات الجنائية الناشئة عن الجريمة ))، غير أن هذا التعريف ــ وإن تجنب خلط الشكوى بالبلاغ ــ ذكر أن الشكوى تقدم من المجني عليه فقط ولم يذكر ممثله القانوني، كما أغفل الإشارة إلى عنصر المدة القانونية التي تستخدم خلالها الشكوى، ولم يذكر أن هذا القيد إنما يكون في جرائم محددة على سبيل الحصر، ولم يشر إلى السلطات التي تقدم لها الشكوى.

​في حين عرفها فريق ثالث بأنها: (( إجراء يباشر من شخص معين وهو المجني عليه في جرائم محددة يعبر عن إرادته الصريحة في تحريك الدعوى الجنائية لإثبات المسؤولية وتوقيع العقوبة القانونية بالنسبة للمشكو في حقه ))، وهذا التعريف ــ وإن كان قد تجنب تعريف الشكوى بالبلاغ ــ أغفل عنصر المدة في الشكوى، وكذا كون الجرائم المقيدة بحق الشكوى محددة على سبيل الحصر وأشار إلى المجني عليه فقط ولم يشر إلى ممثله القانوني عند الاقتضاء.

​وعرفها فريق رابع بأنها (( التظلم الذي يرفعه المتضرر من الجريمة أو المجني عليه إلى الجهة المختصة الذي يطلب فيه اتخاذ الإجراءات القانونية ضد فاعل الجريمة وفي هذا المعنى تكون الشكوى تمثل المطالبة بالحق الجزائي... )).

تعريف  الباحث  للشكوى: وعرفها الباحث بأنها (( إفصاح المجني عليه أو من يمثله قانونياً خلال مدة محددة إلى الجهات المختصة عن رغبته في تحريك الدعوى الجزائية قِبل المتهم متظلماً عن جريمة وقعت عليه وتكون خاضعة لقيد الشكوى )).

​2. مفهوم الطلب في اللغة والاصطلاح القانوني

الطلب لغة: الطلب هو في اللغة: إرادة الشيء، والتطلُّب: الطلب مرة بعد أخرى، وأَطلبه: أي أجابه بما يطلب، وأطلبه أيضاً أحوجه إلى الطلب.

الطلب اصطلاحاً: أما تعريفه عند الفقهاء فقد عرفه البعض بأنه (( الإفصاح كتابة من جهة معينة إلى النيابة العامة عن رغبتها في مباشرة الادعاء جنائياً في بعض الجرائم التي قرر الشارع ترك تقدير ملاءمة مباشرة الاتهام فيها لهذه الهيئات لأنها أقدر من غيرها على تقدير الظروف والملابسات التي تحيط بالدعوى وما ينجم عن مباشرتها أمام القضاء من أضرار بالمجني عليه )).

​وعرفه آخرون بأنه (( تصرف قانوني، يقدم من جهة معينة بوصفها المجني عليه في الجريمة، أو الأمينة على مصالح المجني عليه، مضمونه الإبلاغ عن جريمة معينة تطلب القانون تقديمه فيها، والرغبة في تحريك الدعوى الجزائية قبل متهم أو متهمين، ويكون أثره إزالة عقبة إجرائية في سبيل سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجزائية )). وهو من أشمل التعاريف.

​3. مفهوم الإذن في اللغة والاصطلاح القانوني

الإذن لغة: أذن في اللغة: من باب علم، أي استمع وأجاب، وأَذِنَ له في الشيء إذْناً. يقال: ائْذَنْ لي بالدخول على الأمير، وأذن له في الشيء أي رخص له بعد النهي عنه.

الإذن اصطلاحاً: أما عند فقهاء القانون فقد عرفه بعضهم بأنه (( عمل إجرائي يصدر من بعض هيئات الدولة للسماح بتحريك الدعوى الجنائية قبل المتهمين الذين ينتمون لهذه الهيئات ))، وعرفه آخرون بأنه (( تصرف قانوني إجرائي يهدف إلى رفع القيد الذي يرد على سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ))، وعرفه فريق ثالث بأنه (( عمل إجرائي يتضمن تعبيراً عن إرادة هيئة معينة تعبر بمقتضاه تحريك الدعوى الجزائية على أحد أعضائها عما ارتكبه من جرائم )).

​وعرفه فريق رابع بأنه (( إجراء يصدر من جهة معينة تعبر عن عدم اعتراضها والسماح بالسير في إجراءات الدعوى الجنائية ضد شخص معين ينتمي إليها بصدد جريمة معينة ارتكبها ))، وعرفه فريق خامس بأنه (( الموافقة على طلب تتقدم به سلطة التحقيق لمباشرة الإجراءات الجنائية ضد فرد تابع لجهة معينة علق القانون مباشرتها على موافقتها ))، ويظهر أن التعريفين الأخيرين هما من أحسن التعاريف في هذا الباب، حيث جمعا عناصر الإذن.

تعريف الباحث للإذن: وعرفه الباحث بأنه (( موافقة جهة محددة قانوناً على السير في إجراءات الدعوى الجزائية ضد شخص ينتمي إليها، يتهم بارتكاب جريمة، علق القانون اتخاذ الإجراءات على موافقة هذه الجهة )).

​ثانياً: التصنيف الموضوعي لجرائم الشكوى طبقاً للمادة (27) من قانون الإجراءات الجزائية

​بعد أن تم تعريف قيود الدعوى الجنائية التي ترد على سلطة النيابة العامة ولا تستطيع النيابة تحريك الدعوى الجنائية حتى يتم هذا الإجراء، سيتم الحديث عن صور جرائم الشكوى في قانون الإجراءات الجزائية اليمني؛ إذ نص قانون الإجراءات الجزائية اليمني على جرائم الشكوى في المادة (27) وهذه الجرائم هي:

  1. ​في جرائم القذف والسب وإفشاء الأسرار الخاصة والإهانة، والتهديد بالقول أو بالفعل، والإيذاء الجسماني البسيط، مالم تكن الجرائم قد وقعت على مكلف بخدمة عامة أثناء قيامه بواجبه أو بسببه.
  2. ​الجرائم التي تقع على الأموال فيما بين الأصول والفروع والأزواج والإخوة والأخوات.
  3. ​جرائم الشيكات.
  4. ​جرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة، وقتل الحيوان بدون مقتضى أو الحريق غير العمدي، وانتهاك حرمة ملك الغير، وكذلك في الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون.

​هذا ومن الضروري أن نتحدث عن تطبيقات قضائية على بعض جرائم الشكوى في القضاء اليمني، وذلك للتأكد من تطبيق أحكام الشكوى في الجمهورية اليمنية. لهذا فسوف يقسم حديثنا إلى ثلاثة مباحث حسب التقسيم الآتي:

​المبحث الأول: جرائم الأشخاص الخاضعة لقيد الشكوى

​نص قانون الإجراءات الجزائية اليمني على جرائم خمس وهي التي تقع على الأشخاص وذلك في المادة (27/1)، وهي: (( جرائم القذف والسب، وإفشاء الأسرار الخاصة، والإهانة والتهديد بالقول أو بالفعل، أو الإيذاء الجسماني البسيط، مالم تكن الجرائم قد وقعت على مكلف بخدمة عامة أثناء قيامه بواجبه أو بسببه)).

​وإذا كان المقنن قد فرق بين القذف والسب باعتبار أن القذف يكون بالاتهام بالزنا أو بنفي النسب، والسب ما تضمن غير ذلك من الأفعال أو الأوصاف القبيحة، التي تخدش شرف المجني عليه أو اعتباره، أو تحط من قدره بين أهله وعشيرته وبين بني جنسه، فإن هذا التفريق له ما يبرره شرعاً، ولكن المقنن عاد إلى ذكر كلمة (الإهانة) بعد ذكره لكلمة ((إفشاء الأسرار الخاصة))، وهذا يعد تكراراً غير مقبول، إذ الأصل أن يكون نص المادة مفيداً وخالياً من التكرار، فالإهانة تعتبر داخلة ضمن معنى كلمة السب، ولا يوجد حاجة لذكرها منفردة من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن المقنن أورد بعد ذلك ((الإهانة والتهديد بالقول أو بالفعل أو الإيذاء الجسماني البسيط.. ))، وفي هذا خلط بين التهديد بالقول أو الفعل من جهة، والإيذاء الجسماني البسيط من جهة ثانية، بالرغم من أن كلاً منهما منفصل عن الآخر، وكان الأحرى به حذف كلمة (أو) واستبدالها بحرف (و) العطف ليكون النص على النحو التالي: ((..التهديد بالقول أو الفعل والإيذاء الجسماني البسيط.. ))، حتى لا يختلط المعنى لدى القارئ. وعلى أية حال فإننا سوف نتحدث باختصار عن هذه الجرائم فيما يلي:

​1. جريمة القذف وأحكام الحد والتعزير

القذف لغة: الرمي بالشيء مطلقاً.

معناه في اصطلاح الفقهاء: نسبة آدمي غيره لزنا، أو قطع نسب مسلم، وبالأخص لإيجاب الحد هو (( نسبة آدمي مكلف غيره حراً عفيفاً مسلماً لزنا أو قطع نسب مسلم )).

​والقذف في الشريعة نوعان: قذف يحد عليه، وقذف فيه تعزير. فالأول هو نفي النسب، أو اتهام بالزنا. أما الذي فيه التعزير فهو الذي يتهمه بجريمة أخرى غيرهما مثل الرشوة؛ إذ أن القذف عند الفقهاء هو رمي المجني عليه بواقعة تحتمل الصدق والكذب، كالزنا أو الرشوة، ويمكن إثباتها، ويعتبرون القول سباً إذا كان ما رُمي به المجني عليه ظاهر الكذب، ولا يقبل الإثبات بداهة كمن قال لآخر: يا كلب أو حمار، فهذا لا يمكن إثباته. ويشترط في المقذوف أن يكون بالغاً عاقلاً، مسلماً، حراً، عفيفاً، فإذا لم يثبت القاذف الزنا في حق المقذوف كان مستوجباً للحد.

​أما عن مسلك المقنن اليمني فإنه جعل القذف إنما يكون بالزنا فقط، فقد عرف القذف في المادة (289) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني الحالي بقوله (( كل من قذف محصناً بالزنا أو بنفي النسب وعجز عن إثبات ما رماه به يعاقب بالجلد ثمانين جلدة )). ولا يمكن أن يوقع حد القذف على القاذف إلا إذا تقدم المجني عليه بشكواه ضد المتهم، ويعجز القاذف عن إثبات ما رماه به، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء، ولا تستطيع النيابة العامة تحريك الدعوى على القاذف بدون شكوى من المقذوف.

​2. جريمة السب وحالات عدم قبول الدعوى

​عُرفَ السب في قانون الجرائم والعقوبات اليمني بأنه (( إسناد واقعة جارحة للغير، لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من أسندت إليه قانوناً، أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه، وكذلك كل إهانة للغير بما يخدش شرفه أو اعتباره دون أن يتضمن ذلك إسناد واقعة معينة إليه )).

​فمن هذا النص يتبين لنا أن السب يكون بإسناد واقعة معينة غير الزنا أو نفي النسب، وكذا كل إهانة للغير بما يخدش شرفه أو اعتباره، ولو لم يتضمن الكلام إسناد واقعة معينة إلى المجني عليه، أما إذا كان السب بالقذف أو بنفي النسب فهذا هو القذف كما ذُكر في الفقرة السابقة. وقد أكد القانون اليمني على ذلك بقوله (( كل من سب غيره بغير القذف يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بالغرامة ولو كانت الواقعة المسندة للمجني عليه صحيحة )).

​ويدخل في مسمى السب أي كلمة أو عبارة توجه للمجني عليه تخدش شرفه أو اعتباره وتسبب له ألماً نفسياً مثل أن يقول له يا سكران أو يا منحل أو غير ذلك من العبارات النابية أو القبيحة، والمرجع في تحريم الألفاظ، والقول بأنها تمثل جريمة سب هو الشرع والقانون والذي يستخلصه القاضي من وقائع الدعوى حسب المعنى المستفاد من كلام المتهم الذي وجهه ضد المجني عليه، والعرف الخاطئ في هذه المسألة لا يغير من طبيعة الجريمة، وإن ظهر دوره في عدم استخدام المجني عليه لحقه في الشكوى في جريمة السب التي وجهت إليه. وجريمة السب من جرائم الشكوى فإذا لم يتقدم المجني عليه بشكواه إلى النيابة العامة أو مأمور الضبط القضائي ضد المتهم فإن النيابة العامة لا تستطيع تحريك الدعوى تجاه المتهم، وإلا كانت أعمالها باطلة قانوناً.

​هذا وقد اعتبر قانون الجرائم والعقوبات اليمني دعوى السب غير مقبولة في سبع حالات هي:

  • أ- إذا كان نقداً عملياً لعمل أدبي أو فني مطروح للجمهور.
  • ب- إذا كان صادراً من شخص له سلطة الرقابة أو التوجيه في نطاق هذه السلطة، وبالقدر الذي يكشف عن خطأ من وجه إليه السب في تصرفه وتوجيهه الوجهة الصحيحة.
  • جـ- إذا كان القصد منه إبداء الرأي في مسلك موظف عام بشأن واقعة تتعلق بعمله الوظيفي وبالقدر الذي يفيد في كشف انحرافه.
  • د- إذا كان في شكوى مقدمة لمختص تتعلق بمسلك شخص أثناء أدائه عملاً كلف به، ويشترط أن تقتصر العبارات على وقائع تتعلق بالعمل الذي قدمت بشأنه الشكوى.
  • هـ- إذا كان قد صدر بحسن نية من شخص بقصد حماية مصلحة له أو لغيره، يقرها القانون بشرط التزام القدر اللازم لهذه الحماية.
  • و- إذا نشرت الأقوال أو العبارات لمجرد سرد أو تلخيص لما دار في اجتماع عقد وفقاً للقانون من محكمة أو مجلس أو هيئة أو لجنة لها اختصاص يعترف به القانون، مالم يكن قد صدر قرار بحظر النشر.
  • ز- إذا صدرت الأقوال أو العبارات أثناء إجراءات قضائية من شخص اشترك فيها بصفة قانونية كقاضٍ أو محامٍ أو شاهد أو طرفٍ في الدعوى.

​ففي جميع هذه الحالات حسب الضوابط المنصوص عليها لا تقبل شكوى من شخص يدعي بأن شخصاً وجه إليه كلمات تتضمن سباً أو شتماً في حقه، إذ لا تقبل دعوى السب في الحالات المذكورة سابقاً، ولو حصل السب في الواقع.

​3. جريمة إفشاء الأسرار الخاصة وصورها القانونية

​ومن جرائم الشكوى المتعلقة بجرائم الأشخاص جريمة إفشاء الأسرار الخاصة، وإفشاء الأسرار الخاصة يتخذ عدة صور، منها:

  1. ​إفشاء الأسرار الخاصة والمتحصلة من المراسلات بأن يفضي بمحتوياتها للغير سواء أكانت مفتوحة أو فتحت عن طريق الخطأ، أو كانت مغلقة، وتم فتحها ثم أفشى ما بداخلها من الأسرار.
  2. ​إفشاء الأسرار الخاصة عن أمور المنازل والبيوت، سواء تحصل على هذه الأسرار بواسطة استراق السمع أو التسجيل عن طريق آلة أو جهاز من الأجهزة، وكذا إفشاء صور خاصة لشخص كان لا يرغب في إفشائها إلا إذا كانت هذه الأحاديث أو تلك الصور قد حدثت في اجتماع على مرأى ومسمع من الحاضرين، فإن رضاء هؤلاء يكون مفترضاً، ولا يمثل النشر أو الإفشاء جريمة.
  3. ​إفشاء أسرار المهنة التي تحصل عليها بحكم عمله أو مهنته، أو بأن كان مستودع سر شخص آخر فأفشى هذا السر، في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، ولو كان موظفاً عاماً استودع هذه الأسرار أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته.
  4. ​كذلك التهديد بإذاعة الأسرار الخاصة يعتبر من جرائم الشكوى، وذلك بغية حمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه، ولو كان المهدد موظفاً عاماً، ويفهم ذلك من نص المادة (257) التي تشير إلى هذا المعنى، ففي هذه الجرائم إذا لم يتقدم المجني عليه بشكواه إلى النيابة العامة فإنها لا تستطيع تحريك الدعوى ضد المتهم في إحدى هذه الجرائم، وإلا كانت إجراءاتها باطلة بطلاناً مطلقاً.

​4. جريمة التهديد بالقول أو الفعل وعلاقتها بالإكراه

​ذكر قانون الإجراءات الجزائية اليمني جريمة التهديد بالقول أو الفعل، وبين قانون الجرائم والعقوبات هذه الجريمة بقوله (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة كل من هدد غيره بأي وسيلة بارتكاب جريمة أو بعمل ضار أو بعمل يقع عليه أو على زوجه أو أحد أقاربه حتى الدرجة الرابعة، إذا كان من شأن التهديد أن يحدث فزعاً لدى من وقع عليه )).

​ويمكن القول أن نص قانون الإجراءات الجزائية اليمني قد نص على نوعين من التهديد هما: التهديد بالقول والتهديد بالفعل:

  • التهديد بالقول: هو الضغط على إرادة شخص آخر لتوجيهها لسلوك معين أو حملها على نشاط معين مثل أن يهدده بالقتل أو التعذيب أو غير ذلك مما يدفع المجني عليه إلى تنفيذ ما طلب منه خوفاً مما هدد به.
  • التهديد بالفعل: فهو أن يستعمل العنف على المجني عليه للتأثير على إرادته، مثل حبسه أو ضربه حتى يقوم بالعمل المطلوب منه، ويلحق بهذه الصورة استخدام الوسائل المادية التي تؤثر على الإرادة دون أن تعدمها كإعطاء شخص مادة مخدرة أو مسكراً.

​وهاتان الصورتان تمثلان صورتي الإكراه المعنوي، وإن كان التهديد بالفعل يقترب من صورة الإكراه المادي، باعتبار أن التهديد بالفعل يقترن بعنف، ولكن هذا العنف لا يبلغ حد السيطرة على أعضاء الجسم وتسخيرها في ارتكاب الفعل المطلوب من المكره، وهو المتصور في الإكراه المادي، بل يقتصر على مجرد التأثير على الإرادة لحملها على اتجاه معين عن طريق إشعارها في صورة محسوسة بالإيلام المنتظر إن لم تتجه لتنفيذ العمل المطلوب، والذي يسميه الفقهاء الإكراه الناقص (أو الإكراه غير الملجئ) وهو الذي يعدم الرضاء ولا يفسد الاختيار مثل الحبس والقيد والضرب الذي لا يخشى منه التلف.

​وجريمة التهديد بالقول أو الفعل هي من جرائم الشكوى، فلا تستطيع النيابة العامة تحريك الدعوى ضد المتهم إذا لم يتقدم المجني عليه بشكواه، أو تقدم بها بعد فوات الميعاد، أما إذا قدمها المجني عليه في خلال الميعاد الممنوح له استردت النيابة العامة سلطتها في تحريك الدعوى، وتوجيه الاتهام إلى المتهم في هذه الجريمة.

​5. جريمة الإيذاء الجسماني البسيط وضوابطه الزمنية

​وهو أن يُحدث الجاني بالمجني عليه أذى في جسمه (على ما دون النفس) وأن يكون هذا الأذى بسيطاً، ولا يوجد ضابط يحدد صفة الفعل أو هيئته، سوى أنه يصلح لأن يحدث اعتداءً على حق المجني عليه في السلامة الجسدية، سواء في سلامة البنيان الجسدي أو إنقاص مستواه بأي قدر سواء بشجه أو تمزيقه ولو كان عضواً شاذاً كالأصابع الزائدة في اليدين أو القدمين أو الزوائد العظمية أو الانتفاخات أو الشعر أو الأظافر، أو يحدث اعتداءً على حق المجني عليه في سلامة الوظائف الجسدية فأي عدوان عليه يؤدي إلى الانتقاص من هذه الوظائف يمثل اعتداءً، وكذا إحداث آلام أو مضاعفتها لدى المجني عليه، سواء أكان فعل الجاني هو الضرب أو الطعن أو إعطاء المواد الضارة، سواء من خارج الجسم أم من داخله، أو كان اعتداء بالقول كالقول المفاجئ للمجني عليه، والذي يغير من وظائف جسمه الطبيعية، أو بالتصرفات المعنوية (كالسحر والشعوذة) والتي تحدث سقماً بالمجني عليه.

​ويشترط في هذا الإيذاء أو الاعتداء الجسماني وفقاً لقانون الجرائم والعقوبات اليمني أن يكون بسيطاً، وذلك مثل إحداث الخارصة (أو القاشرة) للجلد، أو الدامية: (سواء أكانت دامية كبرى أم صغرى)، أو الباضعة (وهي التي تدخل في اللحم أكثر)، أو كانت موضحة (وهي التي توضح العظم)، وبشرط ألا يزيد العجز أو التعطيل عن العمل مدة تزيد عن عشرين يوماً، أما إذا زاد العجز والتعطيل عن العمل أكثر من عشرين يوماً فإن النيابة العامة تكون حرة في تحريك الدعوى بدون حاجة إلى شكوى من المجني عليه، وذلك مثل حدوث دامغة أو جائفة أو هاشمة (التي تهشم عظم المجني عليه).

​وقد فرق قانون الجرائم والعقوبات اليمني بين هاتين الحالتين بقوله (( يعاقب بالأرش والحبس مدة لا تزيد على سنة أو الأرش والغرامة من اعتدى على سلامة جسم غيره بأي وسيلة، وأحدث به جرحاً لا ينضبط مقداره أو تسبب عنه ضرر بالصحة إذا لم ينجم عن الاعتداء مرض أو عجز عن الأعمال الشخصية مدة تزيد عن عشرين يوماً، وتكون العقوبة الحبس مدة أقصاها ثلاث سنوات أو الغرامة فضلاً عن الأرش إذا أفضى الاعتداء إلى مرض أو عجز عن الأعمال الشخصية مدة تزيد عن عشرين يوماً )).

​وفي الحالة الأولى عندما لا يزيد العجز أو التعطيل عن العمل عن عشرين يوماً يكون الإيذاء بسيطاً، هذا في حين سماه قانون الجرائم والعقوبات خفيفاً، وهذه تسمية غير دقيقة إذ أن عكس الخفيف هو الثقيل، وهو أمر لا يتناسب مع الوصف القانوني لحالة العجز، وكان الأحرى بالمقنن أن يسميه الإيذاء العمدي البسيط وذلك حتى تتفق والتسمية الواردة في قانون الإجراءات الجزائية والذي أطلق عليه لفظ (الإيذاء الجسماني البسيط)، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المقنن اليمني أدخل جرائم الإيذاء العمدي البسيط في عداد جرائم الشكوى، بينما استبعد الجرائم التي تحدث إصابة بالمجني عليه عن طريق الخطأ، وكان الأحرى به أن يدخل الأخيرة ضمن جرائم الشكوى، خاصة وأن عقوبة الإصابة الخطأ هي الدية أو الأرش على حسب الأحوال..

​ولكي تكون هذه الجرائم خاضعة لقيد الشكوى ينبغي أن لا تقع على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة وذلك أثناء قيامه بوظيفته أو بسببها، فإذا حدثت جريمة القذف أو السب أو الإهانة أو التهديد بالقول أو الفعل على موظف عام أثناء تأديته لأعمال وظيفته أو بسببها، ولو كان في غير أوقات الدوام الرسمي، فإن النيابة العامة تكون حرة في تحريك الدعوى الجزائية تجاه الجاني ولو لم يتقدم المجني عليه بشكواه ضد المتهم؛ وذلك حرصاً على سير العمل في الجهاز الإداري بشكل طبيعي وقيامه بأداء وظيفته.

​المبحث الثاني: جرائم الأموال الخاضعة لقيد الشكوى (شروط القرابة الأسرية)

​يشترط في جرائم الأموال لتكون خاضعة لقيد الشكوى أن تكون فيما بين الأصول أو الفروع أو الزوجين أو الأخوة والأخوات، وذلك بأن يكون الجاني أصلاً أو فرعاً أو زوجاً أو أخاً للمجني عليه، فإذا لم تتوافر هذه الصفة فإن النيابة تكون حرة في تحريك الدعوى تجاه المتهم، بدون حاجة لتقديم الشكوى من المجني عليه أو ممن يقوم مقامه قانوناً.

​وقد جاء نص المادة (27/2) إجراءات جزائية يمني عاماً لجميع جرائم الأموال التي تقع بين الأصول والفروع والأزواج والأخوة والأخوات، وبالرجوع إلى قانون الجرائم والعقوبات فإنها تشمل السرقة سواء أكانت سرقة حدية أو غير حدية، وتشمل كذلك السرقة الكبرى (الحرابة) وهي أخذ المال مغالبة، وتشمل أيضاً جرائم الاحتيال وجرائم الشيكات، والغش، الابتزاز، وخيانة الأمانة، وإتلاف واختلاس المحجوزات، وقتل الحيوانات، وكذا جرائم الاعتداء على حرمة الملك، سواء اتخذ هذا الاعتداء صورة الأضرار بالمال أو إتلافه، أو اتخذ صورة نقل أو إتلاف أو إزالة لحدود الأراضي العقارية. وسوف نتحدث عن بعض جرائم الأموال الخاضعة لقيد الشكوى والتي تحدث بين الأصول والفروع والزوجين والأخوة والأخوات على النحو التالي:

​1. جريمة السرقة بين الأركان والحدود القانونية

​تعرف السرقة بأنها (( أخذ المال خفية (متستراً) من غير أن يؤمن عليه، كما تعرف بأنها أخذ البالغ العاقل نصاب القطع خفية مما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتمول للغير من حرز بلا شبهة ))، وعرفها فريق آخر (( أخذ الجاني مالاً محترماً لغيره وإخراجه من حرز مثله على وجه الاختفاء ))، كما عرفها فريق ثالث بأنها (( اختلاس مال منقول مملوك للغير بنية تملكه ))، أو هي (( اعتداء على ملكية مال منقول وحيازته بنية تملكه )) فمحل الجريمة هو المال المنقول المملوك للغير.

​أما أركانها فهما ركنان:

  • الأول الركن المادي: وهو سلب الجاني الحيازة الكاملة للشيء دون رضاء المجني عليه وإدخاله في حيازة آخر، أو هو الاستيلاء على الحيازة الكاملة للشيء بعنصريها المادي والمعنوي بغير رضا مالكه أو حائزه.
  • الثاني الركن المعنوي: وهو علم الجاني بأنه يأخذ مالاً منقولاً مملوكاً للغير رغم إرادة مالكه وذلك بنية تملكه لنفسه.

​أما إذا كان الاستيلاء على المال بعلم المجني عليه وبغير رضاه، فهذا يمثل جريمة النهب أو السطو على المال، وأما إذا كان أخذ المال من المالك عنوة بالسلاح خارج الديار ولا يمكن طلب النجدة من الآخرين فإن الجريمة تمثل جريمة الحرابة أو السرقة الكبرى.

​هذا وقد عرفت السرقة في قانون الجرائم والعقوبات اليمني بأنها: (( أخذ مال منقول مملوك للغير خفية مما يصح تملكه.. وبدون رضا صاحبه.. )) ولم يشترط قانون الإجراءات الجزائية اليمني ضآلة المال المسروق لتكون جريمة السرقة من جرائم الشكوى، فإذا وقعت السرقة بين ذوي القرابة المحددة بالنص فإنها من جرائم الشكوى ولو كانت الأموال المسروقة غالية الثمن.

​2. خيانة  الأمانة  والفروق الجوهرية بينها وبين السرقة

​تُعرف جريمة خيانة الأمانة بأنها (( انتهاك شخص حق ملكية شخص آخر عن طريق خيانة الثقة التي أودعت فيه ))، أو هي (( اختلاس مال منقول مملوك للغير أو تبديله، سلم إلى الجاني بناء على عقد من عقود الأمانة، إضراراً بمالكه أو صاحبه أو واضع اليد عليه، مع توافر القصد الجنائي ))، وعرفها آخرون بأنها (( خيانة الجاني للثقة التي أودعت فيه باستيلائه على مال منقول مسلم إليه على سبيل الأمانة، أو التصرف فيه تصرف المالك أو صاحب اليد عليه، وذلك بتغيير صفته من حائز لحساب مالكه إلى مدعٍ لملكيته )).

​ويتمثل الركن المادي في جريمة خيانة الأمانة في اختلاس المال أو تبذيره أو استعماله في غير الصورة التي اشترطها مالك المال؛ وفعل الاختلاس يتمثل في قيام الجاني بتغيير نيته من حيازة ناقصة للشيء لحساب الغير، إلى حيازة كاملة بنية تملكه، وأما فعل التبديد فهو: كل فعل يخرج به الأمين الشيء المسلم إليه من حيازته باعتباره مالكاً له، سواء سلم إليه المال بعقد وديعة أو وكالة أو إيجار أو اتخذ صورة الرهن الحيازي، بشرط أن يكون موضوع الجريمة: مالاً منقولاً مملوكاً لغير الجاني، ثم يقوم الجاني بتغيير نية الحيازة الناقصة إلى حيازة كاملة.

​وتختلف جريمة خيانة الأمانة عن جريمة السرقة، بأن المال في الثانية يؤخذ خلسة وبدون علم المجني عليه، أما في الأولى فإن المال يسلم إلى الجاني بعلم ورضا المجني عليه تسليماً ناقلاً للحيازة الناقصة، وتعد جريمة خيانة الأمانة من جرائم الشكوى إذا وقعت بين الأصول أو الفروع أو الزوجين أو الأخوة والأخوات، ولو كان المال المختلس أو المبدد كبيراً.

​3. جريمة النصب والاحتيال في المنظور الجنائي

​عرف بعض الفقهاء جريمة النصب بأنها (( استيلاء على مال منقول مملوك للغير بناءً على الاحتيال بنية تملكه ))، بينما عرفها آخرون بأنها (( الاستيلاء على الحيازة الكاملة لمال الغير بخداعه أو حمله على تسليمه )).

​فتسليم المال في جرائم النصب والاحتيال يتم بناءً على الحيلة والخداع أو التغرير بالمجني عليه، ويكون تسليم المال بهدف نقل الحيازة الكاملة للجاني، في حين أن تسليم المال في جريمة خيانة الأمانة، يجري بناء على الائتمان، ويهدف التسليم إلى نقل الحيازة الناقصة فقط، هذا في حين أن التسليم يعد نافياً للاختلاس في جريمة السرقة.

​هذا وتعد جريمة النصب في عداد جرائم الشكوى باعتبار أنها إحدى جرائم الأموال، إذا وقعت بين الأصول أو الفروع أو الزوجين أو الأخوة والأخوات، ولا يشترط لذلك ضآلة المال موضوع الجريمة، بل تكون سلطة النيابة العامة مقيدة بضرورة شكوى يتقدم بها المجني عليه ولو كان المال ذو قيمة كبيرة.

​4. جريمة الغش التجاري في محيط الأسرة

​وهو أن يقوم الجاني بخداع المجني عليه في عدد البضاعة أو مقاسها أو كيلها أو وزنها أو عيارها، أو سلم غير تلك البضاعة المتفق عليها، أو سلم له أشياء غير متطابقة مع صفات البضاعة المتفق عليها سواء من حيث النوع أو الأصل أو المصدر، إذا كانت هذه الصفات تغير من حقيقة الشيء المتفق عليه، وكذا مخالفة المواصفات والمقاييس المعتمدة في تركيب المواد أو العناصر أو حفظها أو طريقة تحضيرها، وبشرط أن يكون هذا الغش حاصلاً بين الأصول أو الفروع أو الزوجين أو الأخوة والأخوات. فإذا كان الغش حاصلاً في خارج نطاق هذه الدائرة، فإن النيابة العامة تكون حرة في توجيه الاتهام وتحرك الدعوى الجنائية قبل المتهم بدون حاجة إلى شكوى من المجني عليه.

​5. جريمة استغلال الحاجة أو الطيش

​وهي أن يقوم الجاني منتهزاً حاجة المجني عليه، أو عدم خبرته أو طيشه فقدم له مالاً أو خدمةً لا تتناسب بشكل واضح مع المال الذي استرده من المجني عليه. ولكي تكون جريمة استغلال الحاجة من جرائم الشكوى، ينبغي أن تحدث بين الأصول والأزواج والفروع والأخوة والأخوات، وحينئذٍ تكون النيابة العامة مقيدة في اتخاذ إجراءاتها بتقديم الشكوى من المجني عليه، فإذا قدمت الشكوى استردت حريتها في تحريك الدعوى.

​وفي جميع جرائم الأموال التي ذكرها قانون الجرائم والعقوبات اليمني والتي تضمنها الباب الثاني عشر في المواد (294-323) ينبغي توافر علاقة القرابة بين المتهم والمجني عليه وذلك بأن يكون الأول أصلاً أو فرعاً أو أخاً أو زوجاً للمجني عليه، حتى تكون النيابة مقيدة في اتخاذ إجراءاتها تجاه المتهم، فإذا لم يكن هناك علاقة أبوة أو بنوة أو أخوة أو زوجية بين الجاني والمجني عليه، فإن النيابة العامة تكون حرة في اتخاذ إجراءات التحقيق وتوجيه الاتهام إلى المتهم بدون حاجة إلى توافر الشكوى من المجني عليه أو ممن يقوم مقامه قانوناً؛ وذلك باعتبار أن الشكوى استثناء يرد على الأصل وهو حرية النيابة العامة في اتخاذ إجراءات التحقيق ورفع الدعوى بدون حاجة إلى توافر شكوى المجني عليه.

​هذا ونجد أن قانون الإجراءات الجزائية اليمني قد أدخل الأخوة والأخوات في الأشخاص الذين تتطلب الشكوى لتحريك الدعوى الجزائية قبلهم، فيرى الباحث أنه كان من الأحرى أن يدخل الأعمام والعمات والأخوال والخالات في عداد من تتطلب الشكوى لتحريك الدعوى الجزائية قبلهم، حيث أن كلاً من هؤلاء تربطهم علاقة قوية بالمجني عليه، خاصة في ظل المجتمع اليمني والذي يتصف بالحفاظ على العلاقات الأسرية وعلى نطاق واسع، وفي هذا توسيع لدائرة الوئام والسلام الاجتماعي.

​كما نوصي بضرورة تحديد جرائم الأموال الواقعة بين الأصول والفروع والزوجين والأخوة والأخوات في قانون الإجراءات الجزائية في المادة (27)، وبما يتفق ونصوص قانون الجرائم والعقوبات على النحو التالي: (2- في الجرائم التي تقع على الأموال بين الأصول والفروع والزوجين والأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وهذه الجرائم هي: 1- السرقة 2- خيانة الأمانة 3- النصب والاحتيال 4- الغش 5- استغلال الحاجة 6- وغيرها من جرائم الأموال).

​المبحث الثالث: الجرائم الاقتصادية وجرائم الأموال الخاصة الخاضعة لقيد الشكوى

​لم يكتف قانون الإجراءات الجزائية اليمني بالنص على جرائم الأشخاص وجرائم الأموال التي تقع بين الأصول والفروع والزوجين والأخوة والأخوات ضمن جرائم الشكوى، وإنما تعدى ذلك إلى إدخال بعض الجرائم الاقتصادية ضمن عداد جرائم الشكوى وهذه الجرائم هي: جرائم الشيكات، وجرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة، وقتل الحيوانات بدون مقتضى والحريق غير العمدي، وانتهاك حرمة ملك الغير، بل وأشار إلى الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون، سواء في قانون العقوبات أو في قوانين أخرى، وهنا نتحدث عن هذه الجرائم بشيء من التفصيل:

​1. جرائم الشيكات وصورها في قانون العقوبات والقانون التجاري

تعريف الشيك: يعرف الشيك بأنه (( محرر مكتوب وفق أوضاع شكلية استقر عليها العرف، يتضمن أمراً من الساحب إلى المسحوب عليه ويكون غالباً أحد البنوك بأن يدفع للمستفيد أو لأمره أو لحامل الشيك مبلغاً معيناً من النقود بمجرد الاطلاع )). كما يعرف بأنه (( ورقة تجارية يصدر فيها شخص (الساحب) أمراً إلى مصرف (المسحوب عليه) بأداء مبلغ من النقود بمجرد الاطلاع إلى ثالث (المستفيد) أو لأمره أو للحامل )).

​وقد نصت على هذه الجرائم المادة (311 جرائم وعقوبات يمني) بقولها (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة من أعطى شيكاً وهو يعلم بأن ليس له مقابل وفاء كافٍ وقابل للتصرف فيه، أو استرد بعد إعطائه كل المقابل أو بعضه بحيث لا يفي بقيمته أو أمر المسحوب عليه بعدم الدفع أو تعمد توقيع الشيك بغير التوقيع المعتمد لدى المسحوب عليه، ويعاقب بالعقوبة ذاتها من ظهر لغيره شيكاً أو سلمه لحامله وهو يعلم أن ليس له مقابل يفي بقيمته أو أنه غير قابل للصرف )).

​وواضح من نص المادة أن جرائم الشيكات تتخذ عدة صور هي:

  • أ- من أعطى شيكاً وهو يعلم أن ليس له مقابل وفاء كافٍ وقابل للتصرف فيه، لدى المسحوب عليه.
  • ب- أو كان للشيك وفاء كافٍ ولكن الجاني استرد كل المقابل للشيك أو بعضه بعد أن سلم الشيك للمستفيد.
  • جـ- أو كان له مقابل وفاءٍ كافٍ ولكنه أمر المسحوب عليه بعدم دفع قيمة الشيك للمستفيد.
  • د- أو يتعمد المتهم توقيع الشيك بغير التوقيع المعتمد لدى المسحوب عليه.
  • هـ- وكذا من ظهر لغيره شيكاً أو سلمه لحامله، وهو يعلم أن ليس له مقابل يفي بقيمته، أو أنه غير قابل للصرف لأي سبب كان.

​تلك هي صور جرائم الشيكات والتي أدخلها المقنن اليمني في عداد جرائم الشكوى، حيث لا يجوز للنيابة العامة تحريك الدعوى تجاه المتهم إلا بعد تقديم الشكوى من المجني عليه. هذا ويقصد بالشيك في قانون العقوبات بأنه (( ذلك المحرر الذي يستوفي من الشروط الشكلية للشيك ما يحفظ مظهره كأداة وفاء )) أما إذا لم يكن في شكل المحرر ما يعد به شيكاً فإن الحماية الجنائية المقررة تنحسر عنه.

​أما الشيك في القانون التجاري فهو (( محرر يصدر وفقاً لأوضاع شكلية معينة يحددها العرف ويتضمن أمراً صادراً من موقعه وهو الساحب إلى شخصٍ آخر وهو المسحوب عليه، بأن يدفع رصيده لديه لأمره (أمر الساحب نفسه) أو لأمر شخص آخر أو للحامل مبلغاً محدداً من النقود بمجرد الطلب )). هذا وقد نص قانون الجرائم والعقوبات اليمني على عقوبة هذه الجريمة وهي الحبس الذي لا يزيد على ثلاث سنوات أو الغرامة، ولا تقع هذه الجريمة إلا إذا لم يسدد قيمة الشيك خلال أسبوع(*).

​وقد انتقد البعض إدخال جرائم الشيكات في عداد جرائم الشكوى إذ يؤدي ذلك إلى ضياع الحق العام في حالة عدم تقديم شكوى من قبل المجني عليه أو موكله، وفي هذا مخالفة لكثير من القوانين التي تعتبر جرائم الشيكات سارية بمجرد الإبلاغ عنها من قبل أي شخص، ولو لم تكن له مصلحة خاصة. ويمكن القول بأن جرائم الشكوى تختلف من بلد إلى آخر، ولا يوجد اتفاق على الجرائم التي تخضع لقيد الشكوى من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه لا يوجد محذور شرعي يمنع من إدخال جرائم الشيكات في عداد جرائم الشكوى، إذ أن هذا القيد هو إجرائي لا يمس طبيعة الحق أو جوهر الجريمة، علاوة على كون جرائم الشيكات من جرائم التعازير، والتي خول الحاكم أو السلطة التشريعية فيها مجالاً واسعاً، سواء في مجال التجريم أو في مجال تحديد العقوبة، أو عمل ضوابط لكيفية رفع الدعوى.

​وبمقارنة جريمة إصدار شيك بدون رصيد في جمهورية مصر العربية، فقد صدر قانون التجارة الجديد في 17/5/1999م، والذي حل محل قانون التجارة القديم الصادر في 13/10/1883م، كما ألغي نص المادة (237) عقوبات مصري، وسوف يبدأ العمل بهذا القانون من أول أكتوبر 2000م، فمن أهم الأحكام المستحدثة بخصوص جريمة إصدار شيك بدون رصيد في قانون التجارة المصري الجديد ما يلي:

  1. ​أن هذا القانون شدد عقوبة جريمة إصدار شيك بدون رصيد وهي (( الحبس الذي لا يقل عن سنة ولا يزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه، ولا تزيد عن عشرة آلاف جنيه، وتشدد إذا أصدر المحكوم عليه شيكاً بدون رصيد خلال خمس سنوات من تاريخ الحكم البات، بالحبس الذي لا يقل عن سنة ولا يزيد عن خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد عن عشرين ألف جنيه ))، بعد أن كانت عقوبة هذه الجريمة هي الحبس الذي لا يزيد عن ثلاث سنوات، وحده الأدنى 24 ساعة، إلا أن هذا القانون الجديد خفف وطأة العقوبة على المحكوم عليه، إذ أتاح له إيقاف عقوبة الحبس إذا بادر بتسليم قيمة الشيك في أي وقت أثناء تنفيذ العقوبة، ولكنه لا يعفى من دفع الغرامة المحكوم بها.
  2. ​أن قانون التجارة الجديد ألغى الحماية الجنائية للشيكات الخطية، المسحوبة على غير البنوك مقتصراً على إضفاء الحماية الجنائية على الشيكات المطبوعة والمسحوبة على أحد البنوك، وفي هذا إضرار بنظام البيع بالتقسيط لتاجر الوسط أو المستهلك، والذي يمثل 90% من قيمة حركة التجارة الداخلية في مصر.

​2. جرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة

​ويقصد بهذه الطائفة من الجرائم قيام الجاني بتخريب أموال المجني عليه أو إلحاق عيب بها، أو إتلافها أو إتلاف جزء منها، سواء أكان هذا المال عقاراً أم منقولاً؛ فكل من خرب أو أتلف أو أعدم عقاراً أو منقولاً أو نباتاً غير مملوكٍ له أو جعله غير صالح للاستعمال، أو أضر به، أو عطله بأي كيفية، يعد مرتكباً جريمة من جرائم الشكوى.

​كما يعد من جرائم التخريب والتعييب نقل أو إزالة أو إتلاف أي محيط أو علامة لضبط المساحات أو الأراضي الخاصة، أو تلك الأسوار أو الحيطان أو العلامات المبينة للحدود الفاصلة بين أملاك الناس سواء أكانت أراضي زراعية أم أراضي معدة للبناء، ويشترط في هذه الجرائم أن توجه إلى أموال خاصة لكي تكون من جرائم الشكوى، أما إذا كانت هذه الأموال تابعة للدولة، فإنها تعد أموالاً عامة، وتكون النيابة حرة في تحريك الدعوى قبل المتهم، بدون حاجة إلى وجود شكوى من المجني عليه.

​وإذ كان هناك من ملاحظة على هذه المادة فإنه كان ينبغي أن يشار إلى هذه الجرائم في قانون الإجراءات الجزائية بحيث يكون النص بالتسمية على النحو الآتي: (( وجرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة سواء أكان المال عقاراً أم منقولاً وذلك في المادتين (321، 323) )) من قانون الجرائم والعقوبات.

​3. جريمة قتل الحيوانات بدون مقتضى وإشكالية القصد الجنائي

​ومن الجرائم الخاضعة لقيد الشكوى جريمة قتل الحيوانات بدون مقتضى، وبالرجوع إلى قانون الجرائم والعقوبات اليمني والذي أشار إلى هذه الجريمة في المادة (320) بقوله (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة كل من قتل عمداً وبدون مقتضى دابة من الدواب أو حيواناً أو ماشية من المواشي المملوكة للغير أو أضر بها ضرراً جسيماً )).

​ولتطبيق هذه المادة فلا بد أن يكون الحيوان مملوكاً للغير، وأن يتخذ فعل العدوان صفة العمد فإذا كان عن طريق الإهمال أي الخطأ غير العمدي، فالأصل أنه أقل جسامة من الفعل العمد، ولكن لم يشر إليه القانون، وكان الأولى أن يقول (( كل من قتل عمداً أو خطأ.. )) باعتبار أن الخطأ غير العمدي أقل خطورة من الخطأ العمدي، وتشترط المادة أن ينتج عن الفعل الإجرامي ضرراً جسيماً بالحيوان، فإذا كان الضرر بسيطاً هل تكون النيابة العامة حرة في تحريك الدعوى تجاه المتهم؟! لذلك نرى حذف كلمة جسيماً من نص المادة (320) ليكون النص كما يلي (( ..... أو أضر بها ضرراً ما )).

​هذا ولا يشترط أن يكون الحيوان مما يؤكل لحمه، بل ينصرف الحكم إلى كل فعل أصاب حيواناً سواء كان من الماشية مثل البقر والغنم، أو كان دابة من الدواب مثل الحمير والجمال، أو كان غير ذلك من سائر الحيوانات. فإذا وقع فعل على أحد الحيوانات المملوكة للغير سواء بقتله أو إصابته فإن النيابة العامة لا تستطيع تحريك الدعوى الجنائية قبل المتهم حتى يتقدم المجني عليه بشكواه إليها طالباً معاقبة الجاني، وعندئذٍ تعود للنيابة سلطتها في تحريك الدعوى، ولكن لا تستطيع أن تتبين النيابة أن قتل الحيوان كان بدون مقتضى إلا بعد تحقيق تجريه، وفي هذا افتئات على الحريات وعلى حق المجني عليه في عدم رفع الدعوى.

​4. جريمة الحريق غير العمدي والآثار القانونية للبطلان الإجرائي

​ومن ضمن الجرائم التي علق القانون سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى على توافر الشكوى جريمة الحريق غير العمدي، وهو الحريق الذي يحدث عن طريق الخطأ، ولا تتجه إرادة الجاني إلى إشعال هذه النار أو إحداث ذلك الحريق. والفرض هنا هو أن يحدث الحريق في مال أو منزل شخص آخر غير الجاني إذ لو حدث الحريق الخطأ في منزل الجاني أو ماله فإنه لن يتقدم بشكواه ضد نفسه، وكذا يلزم أن يكون الحريق عن طريق الخطأ، إذ لو كان عن طريق العمد، فإن النيابة العامة تكون حرة في تحريك الدعوى بدون حاجة لوجود شكوى يتقدم بها المجني عليه.

​ولكن إذا أحدث الجاني حريقاً في مال أو منزل غيره، فمن الصعوبة أن نتبين توافر صفة العمدية في فعل الجاني المحدث للحريق، فإذا ثبت لدى سلطات الضبط القضائي أن الحريق عمد وبنت النيابة رأيها على ذلك، ثم تبين عدم توافر صفة العمدية بعد إجراء التحقيقات فإن جميع أعمال النيابة العامة تكون باطلة سواء القبض على المتهم، أو توجيه قرار الاتهام، وجميع أعمال التحقيق الأولى السابقة على تقديم الشكوى من المجني عليه أو ممن يقوم مقامه قانوناً، وكان الأولى بالمقنن أن يختار أحد ثلاثة فروض:

  • ​إما أن يدخل جريمة الحريق العمدي وغير العمدي في جرائم الشكوى.
  • ​وإما أن يستبعدهما من جرائم الشكوى.
  • ​أو يحدد ضابطاً بموجبه يميز جرائم الحريق غير العمدي من جرائم الحريق العمدي، حتى لا تترك الأمور للاجتهاد الشخصي لكل عضو نيابة.

​فإن النيابة العامة لا تستطيع أن تتبين ما إذا كان الحريق قد حدث عمداً أو بغير عمد (بطريق الإهمال) إلا بعد تحقيق تجريه، مما يعني ضرورة قيامها بممارسة بعض أعمال التحقيق قبل استلام الشكوى من المجني عليه مما يعني بطلان هذه الإجراءات بطلاناً مطلقاً لمخالفتها للقانون. والأصل في جريمة الحريق العمدي أن يصدر الحريق نتيجة حدوث خطأ عمدي من المتهم، ولا يعد الحريق عمدياً إذا حدث نتيجة إهمال من المتهم، والذي يعد سلوكاً خطراً كمصدر لحدوث الحريق، كما لو أثبت أن الحريق قد نشأ من مس كهربائي لم يكن له يد في وقوعه، وعلى النيابة العامة أن تسعى للبحث عن الحقيقة ولو كان ذلك فيه براءة للمتهم.

​5. جريمة انتهاك حرمة ملك مسكن الغير وصورها التمييزية

​ومن الجرائم الخاضعة لقيد الشكوى جريمة انتهاك حرمة ملك الغير، سواء حرمة المسكن المذكورة في المادة (253) عقوبات يمني والتي نصت على أنه (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من دخل مسكناً أو معداً للسكنى أو أحد ملحقاته أو أي محل معدٍ لحفظ المال أو عقارٍ خلافاً لإرادة صاحب الشأن وفي غير الأحوال المبينة في القانون، وكذلك من بقي فيه خلافاً لإرادة من له الحق في إخراجه.. ))، والمسكن هو المكان المخصص للاستعمال سكناً، سواء بطبيعته، أو بتخصيصه.

​وتتحقق جريمة انتهاك حرمة المسكن طبقاً لهذا النص في صورتين:

  • الأولى: الدخول دون إذن صاحب المنزل أو المحل المعد للسكنى.
  • الثانية: البقاء في ذلك المنزل بعد أن طلب صاحب الحق في التصرف فيه بعدم البقاء في ذلك المنزل.

​ولكن هذه التسمية التي أطلقها قانون الإجراءات الجزائية على هذه الجريمة باسم (( انتهاك حرمة ملك الغير )) قد لا تنصرف إلى انتهاك حرمة المسكن أو المحل المعد للسكنى فقط، بل قد ينصرف إلى جرائم (الاعتداء على حرمة ملك الغير) والتي تتضمن جرائم الإضرار بالمال سواء أكان منقولاً أو عقاراً إما بالهدم أو التخريب أو الإتلاف، وكذا نقل وإزالة الحدود أو العلامات المعدة لضبط مساحات الأراضي أو لتعيين حدودها، (المواد 323، 321 جرائم وعقوبات)، وكان الأولى أن يضبط المقنن تسمية هذه الجريمة مثل أن يقول (انتهاك حرمة مسكن الغير)، أو إن كان يقصد إخضاع غيرها، ينبغي أن يذكر تلك الجرائم بالوصف الذي يضبط عدم دخول غيرها من الجرائم في معناها، وإن كان الأولى أن يشير إلى المواد التي تتحدث عن تلك الجرائم في قانون الجرائم والعقوبات مثل: جرائم الشيكات (م311 جرائم وعقوبات) انتهاك حرمة مسكن (253 جرائم وعقوبات) وهكذا في جميع الجرائم الخاضعة لقيد الشكوى.

​هذا وتضيف المادة (27/4) إجراءات جزائية يمني (( وكذلك في الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون ))، فاتحاً الباب لبعض جرائم الشكوى سواء أكانت مذكورة في قانون الجرائم والعقوبات، أم كانت مذكورة في قانون الإجراءات الجزائية.

​وفي جميع الجرائم الاقتصادية والتي ذكرت في الفقرة (3، 4) من المادة (27) إجراءات جزائية يمني (( وهي جرائم الشيكات وجرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة، وقتل الحيوانات بدون مقتضى أو الحريق غير العمدي وانتهاك حرمة ملك الغير )) لا يشترط توافر علاقة بين الجاني والمجني عيه، بل تكون تلك الجرائم من جرائم الشكوى بصفة مطلقة، فإذا كانت هناك قرابة أبوة أو بنوة أو أخوة أو زواج بين الجاني والمجني عليه كان تطلب الشكوى من باب أولى، فإذا لم يتقدم المجني عليه بشكواه ضد الجاني في هذه الجرائم أو تقدم بها بعد فوات ميعادها، فإن النيابة العامة لا تستطيع تحريك الدعوى تجاه المتهم في هذه الجرائم، وإلا كانت أعمالها باطلة بطلاناً مطلقاً.

​ثالثاً: الخلاصة والنتائج الفقهية والقانونية المستخلصة من الدراسة

  1. ​إن شكوى المجني عليه في الجرائم المحددة في القانون قيداً على سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ما لم يرتفع هذا القيد.
  2. ​إذا باشرت النيابة العامة تحريك الدعوى الجنائية في حالة تطلب وجود الشكوى كانت إجراءاتها باطلة وعلى المحكمة أن تحكم ببطلان الإجراءات من تلقاء نفسها.
  3. ​أن قانون الإجراءات الجزائية اليمني لم يسرِ في الاتجاه الذي سارت فيه غالبية القوانين في الدول العربية الإسلامية، في تحديده لجرائم الشكوى ومن أهمها جريمة زنا الزوج، وزنا الزوجة، وقد جاء هذا المسلك الذي سلكه المقنن اليمني نابعاً من اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعاً، وأعتقد أن هذا التوجه صائب وموفق، إذ يحكم مسألة زنا الزوجة حكم الملاعنة المذكور في سورة النور؛ أما مسألة زنا الزوج فليس أمام الزوجة إلا مسلك عامة الناس في إثبات هذه التهمة على زوجها وهو الإتيان بأربعة شهود عدول وذلك حسب ما هو ثابت في مسألة إثبات جريمة الزنا في كتب الفقه الإسلامي.
  4. ​أن هناك بعض القصور في مواد قانون الإجراءات الجزائية اليمني التي تحدثت عن أحكام الشكوى، وكان ينبغي أن لا يحدث هذا القصور، خاصة وأن هذا القانون قد صدر في 15 أكتوبر 1994م، إذ من المتصور أن يستفيد المقنن اليمني من القوانين التي سبقته، وكذا من الأبحاث والدراسات الفقهية والقانونية في هذا المضمار، وقد تم التعرض لبعض هذا القصور في ثنايا المقال وسوف أشير إلى بعضه في بند التوصيات.

​رابعاً: التوصيات والمقترحات التشريعية المقدمة لتعديل القانون اليمني

​وفي نهاية هذا العرض المتواضع أورد بعض التوصيات التي أراها لازمة وهي:

​1. في جريمة الإيذاء الجسماني

​يوصي الباحث بتعديل المادة (224) في (قانون الجرائم والعقوبات) (( الإيذاء الجسماني الخفيف )) إلى (( الإيذاء الجسماني البسيط )) لكي تتحد تسمية هذه الجريمة في كل من قانون الجرائم والعقوبات وقانون الإجراءات الجزائية، كما يوصي بأن تدخل جرائم الإيذاء عن طريق الخطأ في جرائم الشكوى وخاصة تلك الجرائم التي لا ينجم عنها عجز أكثر من عشرين يوماً.

​2. في جريمة قتل الحيوان عمداً بدون مقتضى

​جعل قانون الإجراءات الجزائية اليمني جريمة قتل الحيوان عمداً بدون مقتضى من جرائم الشكوى، ولم يدخل جريمة قتل الحيوان خطأ في جرائم الشكوى، بالرغم من أن مسؤولية الفاعل في جرائم العمد أكثر جسامة منها في جرائم الخطأ غير العمدي. لذا فإن الباحث يرى أن يكون نص المادة في قانون الإجراءات الجزائية على النحو التالي: وقتل الحيوان بدون مقتضى، أو الإضرار بها والمشار إليها في المادة (320) من قانون الجرائم والعقوبات، كما يوصي الباحث بأن يكون نص المادة (320) من قانون الجرائم والعقوبات على النحو الآتي: (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة، أو بالغرامة كل من قتل عمداً أو خطأً وبدون مقتضى دابة من الدواب أو ماشية من المواشي المملوكة للغير أو أضر بها ضرراً ما )).

​3. في جريمة الحريق غير العمدي

​نص قانون الإجراءات الجزائية اليمني على أن جرائم الحريق غير العمدي من جرائم الشكوى، واستبعد جرائم الحريق العمدي، ولكن في حقيقة الأمر، أن النيابة العامة لا تستطيع أن تتبين أن الحريق قد حدث عن طريق الخطأ إلا بعد تحقيق تجريه، وفي هذا إخلال بأحكام الشكوى، إذ تصبح أفعالها التي قامت بها قبل تقديم الشكوى باطلة بطلاناً مطلقاً.. وكان الأولى أحد خيارين:

  • أ- إما أن يدخل جرائم الحريق العمد في جرائم الشكوى.
  • ب- أو تستبعد جرائم الحريق غير العمدي من جرائم الشكوى.

​4. في جرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة

​ينبغي أن ينص في قانون الإجراءات الجزائية على ما يلي: (( وجرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة، سواء أكان المال عقاراً أم منقولاً .. )) وذلك في المادتين (323، 321) من قانون الجرائم والعقوبات.

​5. في جريمة انتهاك حرمة ملك الغير

​جعل قانون الإجراءات الجزائية اليمني جرائم انتهاك حرمة ملك الغير من جرائم الشكوى، وكان الأولى أن يحدد هذا الوصف القانوني، وأن يطلق عليها أحد الوصفين التاليين:

  • أ- انتهاك حرمة مسكن الغير.
  • ب- انتهاك حرمة ملك الغير سواء أكان منزلاً أم عقاراً.

​6. في جرائم الأموال الواقعة بين الأصول والفروع والأزواج والأخوة والأخوات

​وهنا ترد ملحوظتان:

  • الأولى: ينبغي أن يدخل الأعمام والعمات والأخوال والخالات ضمن الأشخاص الذين يمتنع على النيابة العامة تحريك الدعوى تجاههم حتى يتم تقديم شكوى من المجني عليه، خاصة وأن القانون قد أدخل الأخوة والأخوات، وكذا مراعاة للروابط الاجتماعية والأسرية ودعماً للوئام والسلام الاجتماعيين.
  • الثانية: نوصي بضرورة تحديد جرائم الأموال الواقعة بين الأصول والفروع في قانون الإجراءات الجزائية في المادة (27) وبما يتفق ونصوص قانون الجرائم والعقوبات على النحو التالي: (( وجرائم الأموال الواقعة بين الأصول والفروع والأزواج والأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وتشمل: السرقة، خيانة الأمانة، النصب والاحتيال، الغش، استغلال الحاجة، وغيرها من جرائم الأموال )).

​7. تنظيم نشر أخبار جرائم الشكوى في وسائل الإعلام

​حينما أعطى القانون المجني عليه الحق في الشكوى مقيداً النيابة العامة من اتخاذ إجراءات التحقيق حتى يتم التقدم بالشكوى، إنما أعطاه الفرصة ليقدر مصلحته، ويدرس ظروفه فإذا رأى أن من مصلحته عدم التقدم بالشكوى، وذلك ستراً لحال المتهم وستراً لتفاصيل القضية، ولكن قد تقوم الصحف أو المجلات بنشر بعض أخبار هذه الجرائم مما يعني الأضرار بالمجني عليه والذي فضل الستر في هذه الجرائم، وكذلك لو تنازل عن الشكوى التي قدمها، فليس من المناسب أن تقوم بعض الصحف أو المجلات بنشر أخبار تلك الجرائم، لذا كان ينبغي أن تتضمن أحكام الشكوى النص على أنه: (( يحظر نشر أخباراً تتعلق بإحدى جرائم الشكوى قبل تقديمها، أو بعد التنازل عنها ممن يملك ذلك قانوناً، إلا بإذن خاص من المجني عليه )).

​8. حماية حقوق الشاكي كخصم منضم وتوسيع سلطة الطعن

​أن القانون عندما أعطى المجني عليه حق الشكوى إنما قدر مصلحته الشخصية وأنها تفوق المصلحة العامة في هذه الجرائم، فإذا استخدم المجني عليه حقه وتقدم بشكواه فإنما يقصد معاقبة المتهم، ولكن في أحيان كثيرة قد تأمر النيابة العامة بحفظ الأوراق، أو تصدر قراراً بألا وجه لإقامة الدعوى، لعدم كفاية الأدلة أو لغير ذلك من الأسباب، مما يفوت غرض المجني عليه في عقاب المتهم. وكان ينبغي أن تضاف إلى أحكام الشكوى النص الآتي: (( فإذا تقدم المجني عليه بشكواه اعتبر خصماً منضماً في الدعوى إلى جانب النيابة العامة، وإذا لم تتخذ النيابة العامة أي إجراء أو أصدرت أمراً بالحفظ كان للمجني عليه تحريك الدعوى أمام المحكمة، وإذا أصدرت النيابة قراراً بالأوجه لإقامة الدعوى كان للمجني عليه الطعن في قرارات النيابة العامة أمام المحكمة المختصة )).

​9. التمييز الإجرائي في حالة الجريمة المشهودة (التلبس)

​درج غالبية قوانين الإجراءات الجنائية في صدد الجريمة المشهودة (المتلبس بها) إلى التفريق بين الإجراءات الغير ماسة بشخص المتهم (كإجراء المعاينة، سماع الشهود، وندب الخبراء) وبين الإجراءات الماسة بشخص المتهم (كالقبض والتفتيش والاستجواب)، فأجازت اتخاذ الإجراءات الأولى قبل تقديم الشكوى، أما الإجراءات الماسة بشخص المتهم فلا يجوز اتخاذها إلا بعد تقديم الشكوى، وكان الأحرى بالمقنن اليمني أن ينص على هذا الاستثناء.

​خامساً: قائمة المراجع والمصادر العلمية المعتمدة في الدراسة

  1. ​د. أحمد فتحي بهنسي، مدخل الفقه الجنائي الإسلامي، دار الشروق، القاهرة - بيروت، 1989م.
  2. ​د. أحمد محمد العلفي، تأثير الإكراه في الإجراءات الجنائية، رسالة دكتوراه، أكاديمية الشرطة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1997م.
  3. ​د. أسامة عبد الله قائد، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، جرائم الأموال، دار النهضة العربية، القاهرة، 1989م، الطبعة الأولى.
  4. ​إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح في اللغة، من موقع الوراق: [http://www.alwarraq.com](http://www.alwarraq.com)، ج1.
  5. ​د. حسن صادق المرصفاوي، أصول الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف الإسكندرية، 1982م.
  6. ​د. حامد عبدالحكيم محمود راشد، الحماية الجنائية للحق في حرمة المسكن، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة 1987م.
  7. ​د. إدوار غالي الدهبي، دراسات في القانون الجنائي، مكتبة غريب القاهرة، 1992م.
  8. ​د. رمسيس بهنام، الجرائم المضرة بآحاد الناس، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1985م.
  9. ​د. سعود محمد موسى، شكوى المجني عليه، رسالة دكتوراه، أكاديمية الشرطة المصرية، القاهرة، 1990م.
  10. ​سيد سابق، فقه السنة، دار الفكر العربي، بيروت، 1983م، الطبعة الرابعة، ج2.
  11. ​عبد الحميد المنشاوي، جرائم خيانة الأمانة والتبديد، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، لم يذكر سنة النشر.
  12. ​الأستاذ عبد الأمير العكيلي، د. سليم إبراهيم حربه، أصول المحاكمات الجزائية، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد 1987م، الجزء الأول.
  13. ​د. عبد العظيم مرسى وزير، جرائم الأموال، دار النهضة العربية، القاهرة، 1983م.
  14. ​عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، دار التراث، القاهرة، (لم يذكر سنة النشر)، المجلد الأول.
  15. ​عبد الواحد كرم، الأوراق التجارية في التشريع الليبي، دار الجامعة المفتوحة، طرابلس، ليبيا، 1996م، الطبعة الأولى.
  16. ​د. عزت الدسوقي، قيود الدعوى الجنائية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة 1986م.
  17. ​أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000م، ج5.
  18. ​د. علي حسن الشرفي، النظرية العامة للجريمة، أوان للخدمات الإعلامية، صنعاء، 1997م، الطبعة الثالثة.
  19. ​د. على حسن الشرفي، جرائم الاعتداء على الأشخاص، دار المنار، القاهرة، 1993م، الطبعة الثالثة.
  20. ​د. عوض محمد، قانون الإجراءات الجزائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، الجزء الأول، (لم يذكر تاريخ النشر).
  21. ​د. مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، معلقاً عليه بالفقه وأحكام النقض، دار الفكر العربي، القاهرة، 1980م.
  22. ​محمد بن أبو بكر الرازي، مختار الصحاح، الطبعة الأولى، اليمامة، دمشق - بيروت، 1405هـ - 1985م.
  23. ​د. محمد عارف مصطفي فهمي، الحدود والقصاص بين الشريعة والقانون، الطبعة الثانية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1979م.
  24. ​د. محمد محمد سيف شجاع، شرح قانون الإجراءات الجزائية، مؤسسة الجمهورية للصحافة، تعز، لم يذكر سنة النشر، الجزء الأول.
  25. ​د. محمد نعيم فرحات، شرح القسم الخاص في التشريع الجنائي الإسلامي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1991م.
  26. ​د. محمود نجيب حسني، الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية القاهرة، 1982م، (لم يذكر رقم الطبعة).
  27. ​مصطفي مجدي هرجة، المشكلات العملية الهامة في جرائم الشيك، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1996م.
  28. ​المنجد في الأعلام، الطبعة الثانية، دار الشروق، بيروت، الطبعة الثانية والعشرون.
  29. ​مجلة القسطاس، صنعاء، العدد (15) أغسطس 1999م، والعدد (17) أكتوبر، 1999م.
  30. ​قانون رقم 13 لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية اليمني.
  31. ​قانون الجرائم والعقوبات الصادر بالقرار بقانون رقم (12) لسنة 1994م.

التسميات:

الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية في القانون اليمني


​الأمر  بألا  وجه  لإقامة الدعوى  الجزائية  في  القانون  اليمني  والمصري: الدليل القانوني الشامل

​تعتمد الأنظمة القانونية المعاصرة، وخاصة تلك التي تأخذ بنظام الجمع بين وظيفتي الاتهام والتحقيق بيد النيابة العامة، على منح سلطة التحقيق صلاحيات واسعة للتصرف في الدعوى الجزائية. فالنيابة العامة هنا تتمتع بسلطات قاضي التحقيق؛ وبالتالي، فإنها تتصدى للدعوى وتملك اتخاذ الإجراءات التحقيقية الكفيلة بإظهار الحقيقة.

​بناءً على ذلك، تتصرف النيابة في الدعوى بإحدى وجهتين: إما الإحالة إلى القضاء المختص، أو إصدار الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية؛ تطبيقاً للقاعدة القانونية الراسخة: "من يملك التحقيق في الدعوى، يملك التصرف فيها".

​في هذا المقال وبحثنا القانوني المميز، سنستعرض بالتفصيل ماهية هذا الأمر، كيفية دخول الدعوى حوزة النيابة، القيود المفروضة عليها، أسبابه القانونية والموضوعية، وحجيته أمام القضاء.

​أولاً: كيفية دخول الدعوى الجنائية حوزة النيابة العامة

​إن مباشرة النيابة العامة لإجراءات التحقيق الابتدائي لا تتطلب إكراهًا أو إذنًا مسبقًا لاستصدار أمر التصرف طالما تجمع بيدها سلطتا الاتهام والتحقيق. ويبدأ اختصاص النيابة بتحريك الدعوى ومباشرتها بمجرد وقوع جريمة معينة على شخص معين والإبلاغ عنها.

​1. الإبلاغ  والشكوى  كوسيلة للعلم بالجريمة في القانون اليمني 

​يُعد البلاغ أو الشكوى هو الطريقة العادية لوصول العلم بالجريمة إلى النيابة العامة بوصفها الأمينة على الدعوى الجنائية. ويجمع بين البلاغ والشكوى أن كلاً منهما إخطار عن جريمة وقعت، ولكن يكمن الفرق بينهما في الآتي:

  • الإبلاغ: إخطار عن جريمة يمكن أن يتقدم به أي شخص، وهو كقاعدة عامة اختياري، وإن كان إلزامياً في بعض الأحيان.

  • الشكوى: تكون من المجني عليه وحده. وإذا تضمنت الشكوى مطالبة بتعويض سميت "ادعاءً مدنياً". وقد نصت المادة (28) إجراءات جنائية على أن الشكوى التي لا يدعي فيها مقدمها بحقوق مدنية تعد من قبيل التبليغات وتخضع لأحكام البلاغ.

​ثانياً: ماهية  الأمر  بألا وجه  لإقامة الدعوى  الجنائية

​اقتصرت النصوص الإجرائية المنظمة للأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية على الأسباب التي يُبنى عليها والآثار المترتبة عليه؛ ولذلك اجتهد الفقه القضائي في إيجاد تعريف دقيق له.

​1. التعريف الفقهي للأمر بألا وجه

​انقسم الفقه في تعريفه إلى اتجاهات متقاربة:

  • الاتجاه الأول: هو أمر قضائي من أوامر التصرف في التحقيق الابتدائي تصدره بحسب الأصل إحدى سلطات التحقيق الابتدائي لتصرف به النظر عن إقامة الدعوى أمام محكمة الموضوع لأحد الأسباب التي بينها القانون، ويحوز حجية من نوع خاص.

  • الاتجاه الثاني: صرف النظر مؤقتاً عن تقديم الدعوى للمحكمة لعدم وجود أساس كافٍ يبرر تقديمها إليها. فهو لا ينهي الدعوى كالحكم الجنائي بل يوقف السير فيها مؤقتاً إلى أن تسقط بمضي المدة أو تظهر أدلة جديدة.

​2. شروط صياغة الأمر: الكتابة والوضوح

  • كتابة الأمر: يجب أن يكون الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى ثابتاً بالكتابة، فالكتابة تعد دليلاً على حصوله ومطابقته للقانون (طبقاً للمادتين 154 و209 إجراءات). كما يجب أن يتضمن البيانات التي نصت عليها المادة 160 من قانون الإجراءات الجنائية، وأن يُبنى على أسباب وإلا اعتبر أمر حفظ.

  • الأمر الصريح: الأصل أن يكون الأمر صريحاً بأي صيغة يراها المحقق ما دامت واضحة الدلالة في التعبير عن إرادته في صرف النظر عن السير في الدعوى. فلا يستفاد مثلاً من التأشير على تحقيق بإرفاقه لأوراق شكوى أخرى محفوظة، ولا يغني عنه وجود مذكرة مقترحة من وكيل النيابة بالاكتفاء بالجزاء الإداري.

  • الأمر الضمني: استثناءً، قد يستفاد الأمر ضمناً من تصرف المحقق إذا كان يترتب على هذا التصرف حتماً وبطريق اللزوم العقلي صرف النظر عن السير في الدعوى؛ كأن ينتهي المحقق من واقعة سرقة إلى اتهام المجني عليه بالبلاغ الكاذب، أو قيد الواقعة ضد متهم آخر بعد استكمال التحقيق مما يفيد بألا وجه لإقامتها ضد المتهم الأول.

​3. تسبيب الأمر وإعلانه للخصوم

  • التسبيب: أوجب القانون تسبيب الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية (على خلاف أمر الحفظ) بناءً على نص المادة 209 إجراءات. والتسبيب يعد ضمانة لحسن سير العدالة ووسيلة لجهة الطعن لمراقبة سلامة الأوامر وتطبيق القانون. ويكفي أن يكون التسبيب بالقدر الذي يقتضيه المقام في حدود وظيفة المحقق كجهة تحقيق لا جهة حكم.

  • الإعلان: أوجب القانون إعلان الأمر بألا وجه للمدعي بالحقوق المدنية، وإذا توفي يُعلن لورثته جملة في محل إقامته، وذلك ليتحدد بدء ميعاد الطعن المقرر قانوناً.

​ثالثاً: سلطة النيابة العامة والقيود الواردة عليها

​التحقيق الابتدائي اختصاص قضائي محض؛ ولذلك فإن أعضاء النيابة العامة يستمدون اختصاصهم من القانون مباشرة باعتبارهم يحلون محل قاضي التحقيق. وتنص المادة (199) إجراءات على أن: "تباشر النيابة العامة التحقيق طبقاً للأحكام المقررة لقاضي التحقيق سواء في مواد الجنح أو الجنايات".

​ومع ذلك، يرتبط صدور هذا القرار بعدد من القيود والقواعد:

  1. عدم التقيد بمبدأ عينية الدعوى: على عكس قاضي التحقيق الذي يلتزم بالواقعة المحالة إليه، فإن النيابة العامة -بحكم جمعها لسلطتي الاتهام والتحقيق- تملك توجيه الاتهام إلى من تشاء من الأشخاص والوقائع دون تقيد.

  1. مراعاة قواعد الاختصاص المحلي: يجب أن يقع التحقيق في نطاق الاختصاص المحلي المحدد قانوناً (مكان وقوع الجريمة، محل إقامة المتهم، أو مكان القبض عليه). ولا تبطل الإجراءات خارج الدائرة إلا في حالتي الضرورة الإجرائية أو الندب الرسمي.

  1. الاختصاص النوعي والشخصي: تملك النيابة سلطة التحقيق في كافة الجرائم (مخالفات، جنح، جنايات). والقيد الذي أورده المشرع في مواد الجنايات هو ضرورة صدور الأمر بألا وجه من المحامي العام أو من يقوم مقامه.

​رابعاً: حجية الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية

​الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية الصادر في نهاية التحقيق الابتدائي تثبت له حجية قانونية، لكنها تتميز بخصائص معينة:

​1. حجية مؤقتة وليست نهائية

​يضع هذا الأمر المتهم خارج حالة الملاحقة القضائية، ولا يمكن الرجوع فيه إلا بشرط أن تتغير حالة الدلائل التي صدر بناءً عليها. لذا فهي حجية مؤقتة يجوز معها العدول والعودة إلى التحقيق متى ظهرت "دلائل جديدة"، أو إذا ألغى النائب العام هذا الأمر خلال مدة الثلاثة أشهر التالية لصدوره (ما لم يكن قد صدر قرار من الجهة المختصة بنظر الاستئناف بتأييده).

​2. حجية نسبية

​تقتصر هذه الحجية على المتهم الذي حُقق معه وصدر القرار بشأنه وبالنسبة للواقعة ذاتها. فلا يجوز لمتهم مساهم التمسك بالأمر الصادر لمصلحة متهم آخر إذا كان مبنياً على أسباب شخصية (كامتناع المسؤولية). أما إذا كان مبنياً على أسباب عينية (كعدم صحة الواقعة أو توافر الإباحة) فيستفيد منه بقية المساهمين في الجريمة.

​3. الحجية أمام القضاء الجنائي والمدني

  • أمام القضاء الجنائي: يتعلق الدفع بصدور أمر بألا وجه بالنظام العام، ويجوز إبداؤه في أي حالة كانت عليها الدعوى (ولو لأول مرة أمام محكمة النقض) وتنقضي به الدعوى شرط وحدة السبب والموضوع والخصوم.

  • أمام القضاء المدني: يرى أغلب الفقه أنه ليس للأمر بألا وجه أي حجية على الدعوى المدنية التي يرفعها المضرور أمام القضاء المدني للمطالبة بالتعويض.

​خامساً: الأسباب القانونية لإصدار الأمر بألا وجه

​تنص المادة (154) إجراءات على أنه: "إذا رأى قاضي التحقيق أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو أن الأدلة على المتهم غير كافية يصدر أمراً بألا وجه". وتتسع الأسباب القانونية لتشمل أربع حالات رئيسية:

​1. انقضاء الدعوى الجنائية

​تنقضي الدعوى الجنائية لعدة أسباب تشكل حائلاً نهائياً دون الاستمرار فيها:

  • الأسباب الخاصة: مثل التنازل عن الشكوى أو الطلب في الجرائم المعلقة كـ (الزنا، القذف، السب، والسرقة بين الأصول والفروع)، أو الصلح في جرائم التهريب الجمركي.

  • الأسباب العامة: وتشمل (وفاة المتهم، العفو عن الجريمة، مضي المدة والتقادم، أو صدور حكم نهائي في الدعوى).

​2. توافر أسباب الإباحة

​وهي ظروف مادية تطرأ وقت ارتكاب الفعل فترفع عنه الصفة الإجرامية وتجعله مباحاً، وتتمثل في ثلاثة أنواع:

  • الدفاع الشرعي: رد اعتداء حال غير مشروع يهدد مصلحة يحميها القانون بشرط "لزوم الدفاع" و"التناسب مع جسامة الاعتداء".

  • استعمال الحق: مثل (حق التأديب الأسري القائم على الشريعة الإسلامية والقانون، حق ممارسة الألعاب الرياضية وفق قواعدها متعارف عليها، وحق مباشرة الأعمال الطبية المرخصة برضاء المريض وقصد العلاج).

  • أداء الواجب واستعمال السلطة: لا جريمة إذا وقع الفعل من الموظف تنفيذاً لما أمر به القانون، أو تنفيذاً لأمر رئيس وجبت طاعته قانوناً.

​3. موانع المسؤولية الجنائية

​وهي الأسباب التي تعرض لمرتكب الفعل فتجعل إرادته غير معتبرة قانوناً لافتقادها الإدراك والتمييز، ومنها:

  • حالة الضرورة: ظروف تهدد الشخص بخطر جسيم حال لا دخل لإرادته فيه (كقوى الطبيعة) ولا سبيل للخلاص منه إلا بارتكاب الفعل الإجرامي.

  • الجنون أو العاهة العقلية، السكر غير الاختياري، وصغر السن.

​4. موانع العقاب

​وهي الحالات التي تتوفر فيها أركان الجريمة والمسؤولية، ولكن المشرع يقرر إعفاء المتهم من العقاب لاعتبارات سياسية جنائية أو تشجيعاً على التوبة والتبليغ عن الجريمة قبل وقوعها.

​سادساً: الأسباب الموضوعية لإصدار الأمر بألا وجه

​إلى جانب الأسباب القانونية، يصدر الأمر بألا وجه بناءً على أسباب موضوعية تتوصل إليها سلطة التحقيق:

  1. عدم كفاية الأدلة: إذا تبين للمحقق أن الدلائل المجمعة غير كافية لإدانة المتهم أمام محكمة الموضوع.

  1. عدم صحة الواقعة أو عدم معرفة الفاعل: إذا أثبتت التحريات أن الواقعة برمتها وهمية أو لم ترتكب أصلاً، أو تعذر الوصول إلى الفاعل الحقيقي بعد استنفاد كل وسائل التحقيق.
  2. عدم الأهمية (خاص بالترخيص للنيابة العامة): للنيابة العامة سلطة تقديرية في إصدار الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى بسبب موضوعي خالص وهو "مجرد عدم الأهمية"، رغم أن الواقعة تخضع للعقاب قانوناً، وذلك مراعاةً للمصلحة العامة وضآلة الضرر الاجتماعي الناجم عن السلوك المعاقب عليه.

​خاتمة المقال وخلاصة قانونية

​يُعد الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية صمام أمان تشريعي وقضائي يمنع إرهاق كاهل المحاكم بدعاوى غير منتجة أو تفتقر إلى الأساس القانوني والموضوعي السليم. ورغم طبيعته وحجيته المؤقتة، فإنه يوفر حماية حقيقية لحريات الأفراد وحقوق المتهمين أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي.

إذا أعجبك المقال، لا تتردد في مشاركته مع زملائك من رجال القانون والباحثين، واترك لنا تعليقاً بخصوص تجربتك أو استفسارك حول إجراءات النيابة العامة في القانون اليمني والمصري.

.

التسميات: