الصلاحيات القانونية لمأمور الضبط القضائي في الجرائم المشهودة
الصلاحيات القانونية لمأمور الضبط القضائي في الجرائم المشهودة: دراسة تحليلية في التشريع اليمني
المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد،،
الزملاء الأكارم..
يسرني أن أضع بين أيديكم هذه المادة القانونية المتخصصة، والتي أحسب أنني قد بذلت في إعدادها جهداً ووقتاً كبيراً. ولا أكون مبالغاً إن قلت: إنني قد تخيرت لكم أثناء كتابتها أجمل الأفكار وأدق التحليلات القانونية التي حصلت عليها من كتب الفقه وأبحاث كبار الفقهاء في هذا المجال؛ إذ كانت محل إعجابي الشديد، ولا أدعي تأليفها من العدم بل هي نتاج انتقاء وتحصيل.
وكان الدافع وراء هذا الانتقاء والاختيار أمل يحدوني لأقدم لكم مادة تحوي خلاصة قانونية مركزة، أكون قد حققت بها ما أسعى إليه من نيل إعجابكم ورضاكم. وإن كنت قد قصرت أو أخطأت، فأظن أن تفكيري في إرضائكم وتقديم الأفضل لكم قد طغى على تفكيري في مجرد صياغة وإعداد موضوعات هذه المادة.
ورجاءً مخلصاً.. أطلب من كل صديق وزميل أن يهدي إليّ ما يجده من عيب أو تقصير في هذا الجهد المتواضع حتى لا يظل هذا العيب مستمراً، فجلّ من لا يخطئ. والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه خير هذا الوطن الغالي الذي نعيش جميعاً تحت سمائه.
والحمد لله رب العالمين أولاً وأخيراً،،
تمهيد وتقسيم: ماهية الضبط القضائي في القانون اليمني
بعد وقوع الجريمة مباشرة، تبدأ وظيفة الضبط القضائي، ويقوم بهذه الوظيفة الحيوية عدد من الأجهزة والهيئات التابعة للدولة. إن جوهر هذه الوظيفة يتمثل في: ضبط الجريمة الواقعة، ويكون ذلك بالمحافظة على أدلة وقوع الجريمة حتى يتم جمعها ورفعها، علاوة على تعقب مرتكبيها والقبض عليهم ليتسنى تقديمهم للمحاكمة لمقاضاتهم عن الجرائم التي ارتكبوها؛ لذا سُميت هذه الوظيفة بالضبط القضائي.
ويُطلق المشرع اليمني على القائمين بهذه الوظيفة مصطلح (مأموري الضبط القضائي) بعد أن أسبغ صفة الضبط القضائي عليهم قانوناً. وممن اعتبرهم القانون مأموري ضبط قضائي في دوائر اختصاصهم:
- مديري الأمن العام.
- مديري المديريات.
- ضباط الشرطة والأمن.
- رؤساء الحرس والأقسام ونقط الشرطة.
- من يندبون للقيام بأعمال الضبط القضائي.
- عقال القرى.
- رؤساء المراكب البحرية والجوية.
فأعضاء هذه الفئات -أو شاغلو هذه الوظائف- ينتمون في أغلبهم إلى جهاز الشرطة، وهم من يباشرون وظيفة الضبط القضائي عقب وقوع الجريمة من الناحية العملية؛ لدرجة أنه لو أُطلق لفظ "مأمور الضبط القضائي" مجرداً، لانصرف ذهناً إلى منتسبي جهاز الشرطة، مع أن المشرع اعتبر أيضاً أعضاء النيابة العامة والمحافظين من مأموري الضبط القضائي وخولهم رئاسة الضبطية القضائية.
ونخلص مما سبق إلى حقيقة قانونية هامة وهي: إن إجراءات الضبط القضائي لا يحق -بل لا يجوز- مباشرتها ابتداءً إلا من مأمور الضبط القضائي فقط، إذ لا صفة لغيرهم في القيام بها. وحال مباشرتها فعلاً من مأمور الضبط، فلا تصح إلا إذا كان مختصاً بمباشرتها حسب قواعد الاختصاص المكاني والنوعي.
خطة المشرع اليمني في تنظيم إجراءات الضبط
أطلق المشرع اليمني على الإجراءات التي تتم عقب وقوع الجريمة -والتي يباشرها مأمور الضبط القضائي من أعضاء الشرطة- مصطلح "جمع الاستدلالات والتحري فيها". وقد قسّم الأحكام والقواعد المنظمة لإجراءات جمع الاستدلالات إلى فصلين رئيسيين:
- الفصل الأول: في مأموري الضبط القضائي وواجباتهم.
- الفصل الثاني: في الصلاحيات المقررة لمأمور الضبط القضائي في الجرائم المشهودة وحالات القبض والاستيقاف.
ويتبين من هذه الخطة أن المشرع اليمني قد فرّق في الإجراءات التي قررها أثناء جمع الاستدلالات بين: واجبات كُلِّف مأمور الضبط القيام بها، وصلاحيات أعطى لمأمور الضبط الحق في استخدامها، وبيان ذلك على النحو الآتي:
- أولاً: الواجبات (الاختصاص الأصيل): أوجب المشرع على مأمور الضبط (الشرطي) القيام بإجراءات جمع الاستدلال والتحري عقب علمه أو إبلاغه بوقوع الجريمة، إذ كلفه في كل الأحوال بموجب المادتين (91، 92) من قانون الإجراءات الجزائية (أ/ج) بما يلي: "مأمورو الضبط القضائي مكلفون باستقصاء الجرائم ومرتكبيها وفحص البلاغات والشكاوى وجمع الاستدلالات والمعلومات المتعلقة بها وإثباتها في محاضرهم وإرسالها إلى النيابة العامة". كما أوجب عليه في حالة علمه أو إبلاغه بارتكاب جريمة ذات طابع جسيم بقوله: "يجب عليه أن يخطر النيابة العامة وأن ينتقل فوراً إلى محل الحادث للمحافظة عليه وضبط كل ما يتعلق بالجريمة...".
- ثانياً: الصلاحيات الإضافية المقررة في الجريمة المشهودة: وهي مقررة لضبط الجريمة المشهودة فحسب، بمعنى أن تحقق الجريمة المشهودة على أرض الواقع هو السبب المنشئ والشرط اللازم لهذه الصلاحيات. ونذكّر هنا أن بعض هذه الصلاحيات هي من اختصاص النيابة العامة بحكم الأصل، وقُررت لمأمور الضبط القضائي هنا استثناءً من ذلك الأصل؛ ولذلك وُصفت بأنها اختصاص استثنائي، وهذه الصلاحيات هي موضوع هذه الدراسة.
خطة الدراسة والبحث
سيتم -بإذن الله تعالى- دراسة موضوع "الصلاحيات المقررة لمأمور الضبط القضائي في حالة الجريمة المشهودة" من خلال المطلبين الآتيين:
- المطلب الأول: حقيقة الجريمة المشهودة وحالاتها وشروط صحتها (كمفترض لازم لنشوء هذه الصلاحية).
- المطلب الثاني: طبيعة الصلاحيات المقررة لمأمور الضبط في الجريمة المشهودة (النوع الأول: سلطات واسعة لمباشرة إجراءات جمع الاستدلال / النوع الثاني: سلطات استثنائية لمباشرة بعض إجراءات التحقيق).
المطلب الأول: حقيقة الجريمة المشهودة في التشريع اليمني وحالاتها
لم يرد في قانون الإجراءات الجزائية اليمني نص صريح يعرّف الجريمة المشهودة كمصطلح قانوني مجرد، وإنّما بيّن المشرع في المادة (98) منه حالات الجريمة المشهودة؛ فنصّ على أنّ الجريمة تكون مشهودة حالة ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. واعتبرها مشهودة أيضاً في حالة تتبع الجاني من المجني عليه أو من عامة الناس بالصياح إثر وقوع الجريمة، وحالة ما إذا وُجد مرتكب الجريمة –بعد وقوعها بوقت قريب– حاملاً معه أو به ما يدل على اشتراكه فيها.
والجريمة المشهودة المذكورة في المادة (98 أ/ج) يُقصد بها قانوناً "التلبس بالجريمة"، ولها معنيان جوهريان:
- المعنى الحقيقي للجريمة المشهودة: وهو التعاصر الزمني التام بين لحظة ارتكاب الجريمة ولحظة اكتشافها، أي رؤية الجاني وهو يقترف جريمته مباشرة.
- المعنى القانوني الاصطلاحي: وهو التقارب الزمني الوثيق بين لحظة وقوع الجريمة ولحظة اكتشافها، وهذا المعنى الأخير هو الذي يهمنا ويدور حوله نطاق هذه الدراسة.
أما الجريمة المشهودة في قانون الإجراءات الجزائية فهي: وصف عام أو حالة واقعية تتعلق بكيفية اكتشاف الجريمة لا بأركانها القانونية؛ إذ يقوم هذا الوصف على المشاهدة الفعلية للجريمة وقت ارتكابها أو عقب وقوعها بوقت قريب. أي أنّ هذا الوصف لا يفترض تعديلاً في أركان الجريمة بالزيادة فيها مثلاً؛ فالجريمة المشهودة تقوم على نفس الأركان القانونية للجريمة غير المشهودة.
بناءً على ذلك، يصح القول: "إنّ الجريمة المشهودة لا تعني جريمة بذاتها، فلا توجد في قانون الجرائم والعقوبات -باعتباره المصدر الوحيد للتجريم- جريمة معينة كجريمة القتل أو الرشوة أو التخابر يطلق عليها مستقلة الجريمة المشهودة، بل إنّها وصف عام ورد في قانون الإجراءات الجزائية ينطبق على أيّة جريمة متى تحقق فعلها المادي متزامناً أو متقارباً مع لحظة اكتشافه وظهوره".
أولاً: حالات قيام الجريمة المشهودة حصرًا
حدّد المشرع اليمني حالات الجريمة المشهودة على سبيل الحصر في أربع حالات رئيسية، وهي:
1. مشاهدة الجريمة حالة ارتكابها
وهي أظهر حالات الجريمة المشهودة وتمثل التلبس بمعناه الحقيقي، وتعني أنّ الفعل المادي المكون للجريمة قد وقع تحت نظر مأمور الضبط القضائي أو أدركه بأي حاسة من حواسه. فمشاهدة الجريمة هنا لا تعني الرؤية البصرية فقط، بل تعني الإدراك بأوسع معانيه لتشمل إدراك الجريمة لحظة وقوعها بأي حاسة من الحواس (كالشم، السمع، اللمس، والذوق).
- أمثلة تطبيقية: أن يشاهد مأمور الضبط المتهم وهو يطلق النار على المجني عليه، أو يضع يده في جيب الضحية لسرقته، أو يراه وهو يحمل مخدراً، أو يشم رائحة المخدر الذي يدخنه المتهم، أو يسمع بوضوح صوت أعيرة نارية تنطلق من سلاحه.
2. مشاهدة الجريمة عقب ارتكابها ببرهة يسيرة
تتحقق الجريمة المشهودة بهذه الصورة بمجرد رؤية الآثار والأدلة التي تشير إلى أن وقوع الجريمة كان قريباً جداً، ويتحقق ذلك إما برؤية النتيجة المترتبة على السلوك الإجرامي أو جسم الجريمة ذاته. فهذه الحالة تفترض انتهاء الفعل المكون للجريمة وتستلزم لتوافرها أن يكون مأمور الضبط القضائي قد عاين نتيجة الجريمة أو آثارها الساخنة.
ووجه الدقة هنا يتمثل في تحديد الفاصل الزمني بين وقوع الجريمة ومشاهدتها؛ ولقد كان المشرع اليمني شديد الحرص على أن يكون هذا الفاصل قصيراً جداً، وقد أفصح عن ذلك بألفاظ واضحة وهي أن تكون المشاهدة "عقب" الجريمة -والتعاقب ينفي التراخي- وزيادة في الحرص حدد الزمن بـ "برهة يسيرة".
- أمثلة تطبيقية: أن يشاهد مأمور الضبط القضائي جثة القتيل والدماء ما زالت تنزف منها، أو يشاهد النيران ما زالت مشتعلة في المنزل الذي أحرقه المتهم للتو.
3. حالة تتبع مرتكب الجريمة مع الصياح إثر وقوعها
تتحقق حالة الجريمة المشهودة هنا بتتبع المجني عليه أو مجموعة من عامة الناس لمرتكب الجريمة مع الصياح إثر وقوعها. وعليه، فإنه يلزم لتوافر هذه الحالة شرطان متلازمان:
- تتبع المتهم من قبل المجني عليه أو المارة مع الصياح.
- أن يكون هذا التتبع والصياح إثر وقوع الجريمة مباشرة (أي تعاقب فوري يمنع التراخي الزمني).
- مثال: أن يشاهد مأمور الضبط بعض المارة وهم يجرون وراء مرتكب الجريمة ويصيحون بعبارات مثل "حرامي حرامي". وبناءً عليه، فلا تتوافر حالة الجريمة المشهودة بهذه الصورة إذا كان الجاني قد ارتكب الجريمة قبل يومين مثلاً ثم رآه المجني عليه صدفة فقام بتتبعه بالصياح.
4. مشاهدة الجاني ومعه -أو به- ما يدل على اشتراكه في الجريمة
وتتحقق هذه الحالة حال مشاهدة الجاني نفسه حاملاً لأدوات الجريمة أو به أثر مادي واضح من آثارها يدل على مساهمته فيها، شرط أن تكون هذه المشاهدة في وقت قريب جداً من وقوع الجريمة.
- أمثلة تطبيقية: رؤية الجاني يخرج مسرعاً من مكان الحادث وبيده مسدس، أو رؤية الجاني وعلى وجهه خدوش أو سحجات حديثة تدل على ضلوعه في جريمة اعتداء ومقاومة من المجني عليه، أو مشاهدة ملابسه وهي ملطخة بالدماء، أو وجود أمتعة وأشياء مسروقة بحوزته؛ فكلها علامات تشكل قرينة قوية على أنه مرتكب الفعل.
- خلاصة هامة: يتضح من هذه الحالات أمران؛ أولهما أهمية عامل الزمن كقاسم مشترك يتدرج من لحظة الارتكاب إلى البرهة اليسيرة ثم الوقت القريب. وثانيهما أن حقيقة الجريمة المشهودة تقوم على دعامتين: (مظاهر خارجية معينة تدل على وقوع الجريمة) و(لحظة معينة يتم فيها إدراك هذه المظاهر). ولذلك لا يكفي لقيام التلبس أن يتولد اليقين الذاتي لدى مأمور الضبط بوقوع الجريمة مهما قويت الأدلة، بل لابد من إدراك مظاهرها المادية بنفسه في وقت قريب
ثانياً: ضوابط وشروط ممارسة الصلاحيات في الجريمة المشهودة
1. الضوابط المتعلقة بطبيعة الجريمة المشهودة
هناك عدد من الضوابط التي تحكم حالات الجريمة المشهودة وتعتبر ضوابط موضوعية للصلاحيات المترتبة عليها:
- المعايشة لا اشتراط رؤية الفعل ذاته: لا يشترط لقيام حالة الجريمة المشهودة أن يرى مأمور الضبط المتهم وهو يرتكب السلوك الإجرامي بنفسه؛ بل تكفي مشاهدة الجريمة وعياناً عقب ارتكابها مباشرة أو معايشة آثارها الحية (مثال: أن يعاين مأمور الضبط التوصيلات والمصابيح الكهربائية مضاءة في منزل شخص لم يتعاقد أصلاً مع شركة الكهرباء).
- امتداد الصلاحية لجميع الشركاء: إذا تحقق مأمور الضبط من توافر حالة الجريمة المشهودة في أي فعل جنائي، جاز له اتخاذ صلاحيات القبض والتفتيش ضد جميع الأشخاص الذين تقوم الدلائل على أنهم فاعلوها أو شركاء فيها، ولو لم يشاهد أيّاً منهم في مسرح الجريمة وهو يقترفها.
- الاقتصار على الجريمة المتلبس بها: تتحدد صلاحيات مأمور الضبط وتقتصر على الجريمة التي توافرت فيها إحدى حالات الجريمة المشهودة ولا تمتد إلى غيرها من الجرائم ولو كانت وثيقة الصلة بها (مثال: إذا لم يثبت أن جريمة "إخفاء الأشياء المسروقة" كانت في إحدى حالات الجريمة المشهودة، فلا يجوز لمأمور الضبط استخدام صلاحياته الاستثنائية فيها استناداً إلى أن جريمة السرقة الأصلية التي تحصلت منها هذه الأشياء كانت جريمة مشهودة).
- الاعتماد على المظاهر الخارجية: وصف الجريمة يتعلق بالركن المادي ويقوم على مظاهر خارجية تبدو لمأمور الضبط وتجعله يعتقد مشروعاً بتوافر الحالة، ولو ثبت لاحقاً عدم صحة هذه المظاهر أو أن الجريمة لم ترتكب نهائياً؛ إذ العبرة بالظاهر السائغ وقت اتخاذ الإجراء.
يشترط لممارسة الصلاحيات المقررة في حالة الجريمة المشهودة الشروط القانونية التالية:
- الإدراك الشخصي المباشر: يجب أن يشاهد مأمور الضبط القضائي أو يدرك بنفسه وبإحدى حواسه حالة الجريمة المشهودة. وبناءً عليه، فإن الأدلة القولية أو الرواية عن الغير (السمع من الآخرين) لا تكفي لقيام حالة الجريمة المشهودة بالنسبة له؛ فالجريمة لا تكون مشهودة إلا لمن عاينها بنفسه، وهو وحده من يخول له القانون الصلاحيات الاستثنائية.
- مشروعية وسيلة الاكتشاف: يشترط أن يتم إدراك الجريمة المشهودة بطريقة مشروعة؛ فإذا تم اكتشاف التلبس بناءً على سلوك غير مشروع أو باطل (كما لو ساهم مأمور الضبط في خلق الجريمة، أو أمر أحد مساعديه بوضع قطعة مخدر في سيارة شخص لضبطه متلبساً)، فإن الإجراءات المترتبة عليها كالقبض والتفتيش تقع باطلة بطلاناً مطلقاً.
- الوجود السابق لحالة التلبس: يشترط لصحة ممارسة الصلاحيات ضرورة توافر حالة الجريمة المشهودة مسبقاً قبل استخدام الصلاحية الاستثنائية لا بعده؛ فحالة الجريمة المشهودة هي الشرط المفترض والمصدر القانوني الذي تنشأ عنه هذه الصلاحيات.
اعتبر المشرع اليمني أنّ وقوع الجريمة بحالة مشهودة يعد سبباً كافياً لمنح مأمور الضبط القضائي صلاحيات واسعة تفوق ما خُوِّل به في الأحوال العادية للجرائم التي تقع بعيداً عن مشاهدته؛ والهدف من ذلك هو تمكينه من سرعة التدخل للمحافظة على الأدلة والقبض على الفاعلين.
ومع ذلك، فإن هذه الصلاحيات تظل صلاحيات محدودة واستثنائية ومقتصرة على ما ورد به النص صراحة؛ مما يعني منع مأمور الضبط من مباشرة أي إجراء تحقيق آخر خارج هذا النطاق كونه يظل اختصاصاً أصيلاً للنيابة العامة. وتنقسم هذه الصلاحيات إلى صورتين رئيسيتين:
الفرع الأول: التوسع في سلطات الاستدلال في حالة الجريمة المشهودة
جمع الاستدلال هو اختصاص أصيل لمأمور الضبط القضائي في كل الجرائم، إلا أنه في حالة الجريمة المشهودة منح المشرع مأمور الضبط سلطات إضافية واسعة لضمان إثبات الحالة، ونجمل هذه السلطات في الآتي:
أولاً: الانتقال وإجراء المعاينة وإثبات الحالة
طبقاً للمادة (99 أ/ج)، يجب على مأمور الضبط اتخاذ الإجراءات التالية فور علمه بالجريمة المشهودة:
- الانتقال الفوري إلى محل الواقعة مع إخطار النيابة العامة بانتقاله.
- معاينة الآثار المادية للجريمة المشهودة والمحافظة عليها وإثبات حالة الأماكن والأشخاص وكل ما يفيد في كشف الحقيقة.
المعاينة هي عبارة عن مناظرة ووصف وفحص مادي دقيق ومباشر للمكان الذي ارتكبت فيه الجريمة بما يحويه من أشياء وأشخاص، بهدف جمع الآثار المادية التي تدل على الجريمة وإسنادها إلى فاعلها بواسطة الحواس أو الأجهزة العلمية الحديثة. وتشمل المعاينة ثلاثة نطاقات:
- معاينة الأماكن: وتشمل مكان وقوع الحادث الإجرامي، مكان وجود الآثار المتخلفة (مثل مقذوفات الأعيرة النارية)، وأماكن وجود الأدوات المستخدمة.
- معاينة الأشخاص: وتعني وصف وفحص الآثار المادية على ملابس وجسم الشخص. فإذا كان (مجني عليه مصاباً) تُفحص إصاباته ومواضعها، وإذا كان (ميتاً) توصف حالة الجثة بدقة. وإذا كان الشخص (متهماً) فيُفحص جسده لاكتشاف الخدوش الناتجة عن مقاومة الضحية. أما إذا كان (شاهداً) فيركز الفحص على قدراته الجسدية كقوة الإبصار ومدى إمكانية الرؤية من مكانه.
- معاينة الأشياء: وتشمل الآثار المادية المتخلفة (الظاهرة والخفية)، الأدوات المستخدمة في الجريمة، والمنقولات الموجودة بمسرح الجريمة تمهيداً لضبطها.
يتم إثبات المعاينة عبر ثلاثة طرق رئيسية: المحضر الكتابي، الصور الفوتوغرافية، الرسوم التخطيطية والبيانية (الكروكي). ويتعين أن يتضمن المحضر الكتابي البيانات الجوهرية التالية لضمان سلامته قانوناً:
- بيان وقت وساعة الانتقال وإجراء المعاينة، والحالة الطبيعية للجو ودرجة الإضاءة.
- وصف موقع المكان والطرق المؤدية إليه والمعالم العمرانية القريبة.
- الوصف الدقيق لحالة المنافذ والأبواب التي يمكن الدخول منها وبيان حالتها الراهنة.
- وصف المحتويات والآثار الموجودة بها، ووصف الجثة وحالتها وما بها من إصابات ظاهرة وملابسها.
- وصف الآثار المعثور عليها وأشكالها وأماكن الآلات المستخدمة.
- ملاحظة إجرائية: في حال انتقال مأمور الضبط ومشاهدته للفعل المكون للجريمة وضبط الشيء المسروق مع السارق مثلاً، يتعين عليه تحرير محضر يُسمى (محضر ضبط واقعة)، أمّا في غير ذلك من أحوال المعاينة فيسمى (محضر إثبات حالة).
- سماع أقوال الأشخاص الحاضرين وكل شخص يمكن الحصول منه على إيضاحات وتحرير محاضر بإثبات أقوالهم.
- سلطة منع الأشخاص الموجودين في مكان الجريمة من الخروج منه أو الابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر.
- سلطة استدعاء أي شخص للحضور فوراً للحصول منه على إيضاحات لبيان الجريمة.
- الأمر بالمنع من مغادرة المكان: هو أمر للحاضرين بالبقاء في أماكنهم لضمان استقرار النظام بمسرح الجريمة وتفادي العبث بالأدلة، وليس إرغاماً لهم بالقوة المادية ابتداءً.
- الاستحضار (الاستدعاء الفوري): هو دعوة رسمية فورية للحضور للحصول على المعلومات قبل التأثير على الشخص، وليس إحضاراً بالقوة الجبرية ابتداءً.
- الجزاء القانوني للمخالفة: يبقى لمن وُجه إليه أمر المنع أو الاستدعاء أن يستجيب أو يرفض، وعليه في حال الرفض أن يتحمل العقوبة القانونية؛ وهي أن يوضع في التوقيف حتى يُعرض على القاضي المختص للحكم عليه بالعقوبة المقررة في قانون الإجراءات الجزائية.
- قواعد مستخلصة:
ثانياً: جمع الإيضاحات ومنع الحاضرين من المغادرة
طبقاً للمادتين (99، 100 أ/ج)، خول القانون لمأمور الضبط بهدف جمع الإيضاحات عن الجريمة المشهودة ومرتكبها الصلاحيات التالية:
الطبيعة القانونية لإجراءي المنع والاستحضار
لقد خصص المشرع المادة (99 أ/ج) لتشمل الجرائم المشهودة كافة بصرف النظر عن جسامتها، بينما خصص المادة (100 أ/ج) بالجرائم الجسيمة؛ وبناءً عليه فإن سلطة "منع الحاضرين من الخروج" و"الاستدعاء الفوري" هما صلاحيتان مقصورة على الجرائم المشهودة ذات الطابع الجسيم فقط حسب تخصيص المادة (100). وتتمثل طبيعتهما القانونية في الآتي:
- لمأمور الضبط في سبيل فحص الأدلة الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة بما في ذلك (ندب الخبراء) والتحفظ على المضبوطات.
- الفرع الثاني: صلاحيات مأمور الضبط الاستثنائية في مباشرة إجراءات التحقيق
- السند القانوني: تنص المادة (101 أ/ج) على أنه: "في الجرائم المشهودة المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر يحق لمأمور الضبط القضائي القبض على كل شخص يستدل بالقرائن على أنه الفاعل للجريمة أو له علاقة بها إن كان حاضراً أو أن يأمر بإحضاره إن كان غائباً".
- إذا كان المتهم حاضراً في مسرح الجريمة المشهودة: يُسمى الإجراء قبضاً.
- إذا كان المتهم غائباً: يحق لمأمور الضبط أن يصدر أمراً بضبطه وإحضاره ويُثبت ذلك في محضره، ويمكن تنفيذ هذا الأمر بواسطة أحد رجال الشرطة تحت إشرافه.
-
الشروط المتعلقة بالجريمة:
- أن تكون الجريمة مشهودة: يجب أن يرتكب المتهم جريمته في إحدى الحالات المحصورة قانوناً، وأن يكون اكتشاف التلبس سابقاً على إجراء القبض؛ فالجريمة المشهودة هي السبب المنشئ للقبض، فلا يجوز القبض أولاً للبحث عن تلبس.
- جسامة العقوبة القانونية: يجب أن تكون الجريمة المشهودة معاقباً عليها قانوناً بالحبس لمدة تزيد على ستة أشهر. ويترتب على ذلك نتائج هامة: لا يجوز القبض على المتهم في جريمة مشهودة عقوبتها الحبس أقل من ستة أشهر، ولا يجوز القبض في الجرائم المعاقب عليها بالغرامة فقط، ولا يجوز القبض في المخالفات أياً كانت.
- الشروط المتعلقة بالمتهم (توافر القرائن الكافية):
- وجوب توافر قرائن وأدلة واقعية قوية ضد من يُراد القبض عليه يصح معها العقل والمنطق اتهامه بارتكاب الجريمة أو المشاركته فيها. ولا يغني تحقق حالة التلبس عن شرط القرائن؛ لأن وصف الجريمة المشهودة ينصرف إلى الجريمة ذاتها لا إلى شخص المتهم بها. وبناءً عليه، لا يجوز القبض على الشخص لمجرد البلاغ ضده دون قيام قرائن مادية تسوغ ذلك وإلا كان القبض باطلاً.
-
الشروط المتعلقة بالآمر بالقبض وإجراءاته:
- يجب على مأمور الضبط فور القبض على المتهم فتح محضر لسماع أقواله (استجوابه الأولي)، وإحالته مع المحضر إلى النيابة العامة خلال مدة أربع وعشرين ساعة كحد أقصى (المادة 105 أ/ج).
- يُلزم مسؤول مركز الشرطة (بموجب المادة 106 أ/ج) بإثبات جميع حالات القبض والضبط في سجل خاص (يتضمن: الاسم، الصفة، الكيفية، التاريخ، الساعة، السبب، ووقت الانتهاء)، واستخراج صورة يومية من هذا السجل وعرضها فوراً على النيابة العامة.
- يجب أن يكون أمر القبض كتابة وموقعاً عليه ممن أصدره، ويجوز أن يكون الآمر بالقبض شفوياً بشرط أن يُنفذ الإجراء في حضور مأمور الضبط الآمر به ذاته (المادة 72 أ/ج). وسقوط أمر القبض مالم يُنفذ يكون بمرور ثلاثة أشهر على صدوره ما لم يجدد (المادة 74 أ/ج).
- استعمال القوة اللازمة (دون إفراط) لتنفيذ الأمر في حال المقاومة.
- دخول مسكن الشخص المطلوب أو مسكن غيره، ويحق له اقتحامها عنوة عند الرفض أو المقاومة.
- تفتيش المقبوض عليه لتجريده من الأسلحة وكل ما يحتمل استعماله للمقاومة أو الهرب وتسليمها للآمر بالقبض.
- شرط تفتيش الأنثى: إذا كانت المطلوب القبض عليها أنثى، فلا يجوز تفتيشها إطلاقاً إلا بمعرفة أنثى مثلها يُندب لها ذلك.
- إنابة التنفيذ: إذا كان الأمر موجهاً لرجال الشرطة دون تعيين، جاز لأي منهم تنفيذه، ويجوز لمن وُجه إليه الأمر عند الضرورة أن يحيله إلى زميل له كتابةً مذيلاً بتوقيعه.
- السند القانوني: تنص المادة (102 أ/ج) على أنه: "لمأمور الضبط القضائي في الحالات المنصوص عليها في المادة (101) [أي الجرائم المشهودة المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر] أن يفتش المتهم ومنزله ويضبط الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة متى وجدت أمارات قوية تدل على وجودها فيه".
- **الشروط العامة للمباشرة:**سبق قيام حالة الجريمة المشهودة قانوناً وبطريقة مشروعة قبل البدء في التفتيش. وأن تكون الجريمة معاقباً عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر. والتزام الغاية التي أُبيح التفتيش من أجلها (البحث عن أدلة تلك الجريمة بذاتها)، فلا يجوز التفتيش في أماكن يستحيل عقلاً وجود أدلة الجريمة فيها (كالبحث عن سلاح آلي مسروق في أوراق رسائل صغيرة).
- الشروط الخاصة بتفتيش شخص المتهم: توافر دلائل على وجود أشياء تفيد في كشف الحقيقة بحوزته، وإذا كان المتهم أنثى وجب تفتيشها بواسطة أنثى مثلها.
- الشروط الخاصة بتفتيش منزل المتهم: أن يكون المنزل خاصاً بالمتهم نفسه لا بغيره. وجود أمارات قوية تدل على وجود الأشياء أو الأوراق المفيدة فيه. حظر الاطلاع على الأسرار الشخصية أو العائلية التي لا صلة لها بالجريمة. وأخيراً، وجوب حصول التفتيش بحضور المتهم أو من ينيبه، وبحضور شاهدين (من أقاربه أو من جيرانه في حال غيابه)؛ ويعد حضور الشاهدين إجراءً جوهرياً وإلزامياً يترتب على مخالفته بطلان التفتيش وما يسفر عنه.
- ضبط كإجراء تحقيق: إذا كان الشيء في حيازة شخص واقتضى الأمر نزع حيازته رغماً عنه بناءً على التفتيش الاستثنائي في الجريمة المشهودة (المادة 102 أ/ج).
- ضبط كإجراء استدلال: إذا تم العثور على الشيء عَرَضاً بمسرح الجريمة، أو سُلِّم اختياراً من صاحبه، أو عُثر عليه دون الاعتداء على حيازة قائمة (المادة 92 أ/ج).
- تاريخ وساعة التحرير بدقة: لأهميته في تحديد تسلسل الإجراءات وترتيب آثار البطلان أو المشروعية.
- اسم المحرر وصفته وتوقيعه الحيي: المحضر العاري من التوقيع والصفة لا قيمة له ولا أثر قانوني له.
- بيان الإجراءات والظروف الطبيعية: تشمل ساعة الانتقال، حالة الجو، درجة الإضاءة، والوصف الدقيق للمكان ومنافذه ومحتوياته.
- وصف المضبوطات وفق المادة (151 أ/ج): يجب تبيان أوصاف الأشياء المضبوطة وحالتها الراهنة وكيفية ضبطها والمكان الذي عُثر عليها فيه بالتحديد، وإثبات أقوال من ضبطت لديه بشأنها. كما يجب أن يتضمن المحضر ما يطلبه المتهم من إثبات أشياء يرى أنها تؤيد دفاعه ليكون المحضر مرآة صادقة للواقع.
- وضع المضبوطات في أحراز مناسبة لحجمها وطبيعتها (أكياس، صناديق، أو مظاريف).
- الختم عليها بالختم الرسمي لمركز الشرطة أو الضبطية القضائية بشكل يمنع فتحها دون كسر الختم.
- تلصق عليها بطاقات تعريفية تتضمن البيانات التالية: (تاريخ الضبط، مكانه، سببه، رقم القضية المتعلقة بها، وتوقيع من قام بالضبط).
- تتم هذه الإجراءات بالكامل قبل مغادرة مكان الضبط إن أمكن ذلك عملياً.
القاعدة العامة في التشريع اليمني أن الاختصاص الأصيل لمأمور الضبط ينحصر في إجراءات الاستدلال، وأن إجراءات التحقيق هي اختصاص مطلق للنيابة العامة؛ والمعيار في التمييز بينهما هو مدى ما ينطوي عليه الإجراء من مساس بالحقوق والحريات الشخصية والضمانات الدستورية للأفراد.
إلا أن المشرع خالف هذه القاعدة في حالة الجريمة المشهودة، وقرر لمأمور الضبط صلاحيات استثنائية تمس حريات المتهم وحرمة مسكنه وشخصه بموجب المادتين (101، 102 أ/ج)، وتنحصر في إجراءين هما: القبض والتفتيش.
أولاً: سلطة مأمور الضبط في القبض على المتهم
1. حقيقة القبض والضبط والإحضار
القبض قانوناً (وفق المادة 70 أ/ج) هو: ضبط الشخص وإحضاره أمام المحكمة أو النيابة أو مأمور الضبط في الحالات المنصوص عليها قانوناً، ويترتب عليه حرمان المقبوض عليه من حريته في التجول وحجزه لفترة يسيرة تمهيداً للتصرف في أمره. وقد ميّزت المادة (101 أ/ج) بين حالتين:
2. شروط صحة القبض الواقع من مأمور الضبط
يشترط لصحة القبض دون إذن مسبق من النيابة العامة الشروط القانونية الصارمة التالية:
3. صلاحيات وضمانات منفذ أمر القبض وحقوق المتهم
بموجب المواد (78 إلى 82 أ/ج)، تتوفر لمن يقوم بتنفيذ أمر القبض الصلاحيات التالية:
حقوق المقبوض عليه (المواد 71، 73، 77 أ/ج): للمقبوض عليه حقوق دستورية يجب احترامها؛ إذ يجب معاملته بوصفه بريئاً، ويحظر تماماً إيذاؤه مادية أو معنوياً لحمله على الاعتراف، ويُحجز في مكان منفصل عن المحكوم عليهم. وله الحق في إبلاغه بأسباب القبض، والاطلاع على أمر القبض، والاتصال بمن يرى لإبلاغهم، والاستعانة بمحامٍ مدافع عنه.
ثانياً: سلطة مأمور الضبط في التفتيش والضبط في الجريمة المشهودة
1. حقيقة التفتيش وخصائصه القانونية
التفتيش كإجراء قانوني هو: البحث عن الشيء في موضع له حرمة يحميه القانون (كمستودع السر أو المسكن الدستوري) بغض النظر عن إرادة صاحبه، بهدف الحصول على الأدلة المادية لجريمة وقعت بالفعل.
وهذا المفهوم يميز التفتيش القانوني عن التفتيش بالمعنى العام؛ فالبحث الذي يقوم به مأمور الضبط في الصحراء أو الطريق العام أو الأماكن المفتوحة لا يُعد تفتيشاً بالمعنى القانوني لانتفاء حرمة المكان وإنما هو إجراء استدلال عادي. ويتسم التفتيش القانوني بأنه: ينطوي على قدر من الجبر والإكراه عند المقاومة، ويمس الحق في السرية، وغايته البحث عن أدلة جريمة وقعت بالفعل ولا يتعلق بجريمة مستقبليّة محتملة.
2. نطاق وشروط سلطة التفتيش في الجريمة المشهودة
حددت المادة (102 أ/ج) حدود سلطة مأمور الضبط في نطاقين لا يجوز تجاوزهما: تفتيش شخص المتهم، وتفتيش منزل المتهم.
وبمفهوم المخالفة، يحظر على مأمور الضبط تفتيش شخص أو منزل غير المتهم في أحوال الجريمة المشهودة؛ إذ يظل تفتيش الغير إجراء تحقيق خالص يتطلب إدراكاً وإذناً مباشراً وخاصاً من النيابة العامة. وتنصرف صفة المتهم هنا إلى كل من قامت ضده قرائن كافية على مساهمته في الجريمة المتلبس بها ولو لم يُشاهد في مسرحها وقت الارتكاب.
وتتمثل شروط التفتيش الصائغ في الآتي:
3. سلطة ضبط الأشياء وضماناتها القانونية
الضبط هو وضع اليد مادياً على شيء يتصل بالجريمة ويفيد في كشف الحقيقة. وتتضح طبيعته القانونية (هل هو إجراء استدلال أم تحقيق؟) من خلال الكيفية التي تم بها:
ويقع الضبط على الأشياء المادية فقط (سواء كانت منقولاً أو عقاراً، مملوكاً للمتهم أو لغيره ما دام في حيازة المتهم ويفيد في كشف الحقيقة)، ولا يرد على الأشخاص (فالتعامل معهم يسمى قبضاً) ولا على المعنويات (فمراقبة المحادثات وتسجيلها لا يعد ضبطاً بالمعنى الدقيق).
قاعدة التدخل العرضي للجريمة الأخرى: ينبغي أن يقتصر الضبط على ما يفيد الحقيقة في الجريمة المشهودة ذاتها. ومع ذلك، إذا ظهرت "عرضاً" أثناء التفتيش القانوني أشياء تعد حيازتها في ذاتها جريمة أخرى (مثل العثور على مخدرات أثناء البحث عن سلاح الجريمة المشهودة)، فيجوز لمأمور الضبط ضبطها قانوناً وإثباتها في المحضر بناءً على نظرية الجريمة العرضية.
الفرع الثالث: الإجراءات التطبيقية والعملية للتفتيش والضبط والتحريز
لضمان سلامة الإجراءات من البطلان أمام القضاء، يتعين على مأمور الضبط اتباع الخطوات التطبيقية التالية بدقة:
أولاً: تحرير محضر التفتيش وبياناته الإلزامية
المحضر هو الشهادة المكتوبة الرسمية التي يثبت فيها مأمور الضبط ما شاهده بنفسه وما اتخذه من إجراءات. ويجب أن يُحرر باللغة العربية ويتضمن البيانات الأساسية التالية:
ثانياً: القواعد القانونية لتحريز المضبوطات وحفظها
بموجب القواعد الإجرائية المتبعة، يتعين على مأمور الضبط القيام بالآتي قبل مغادرة مسرح الجريمة:
- بيان وتحديد الجريمة المشهودة والأشياء المستهدف البحث عنها بدقة.
- تحديد القوة الأمنية وتوزيع الأسلحة والأدوار وتعيين قوة خارجية للمحاصرة وقوة داخلية مرافقة للمأمور.
- تحديد نقطة أمنية آمنة لتجمع أفراد القوة بعد انتهاء المأمورية بنجاح.
2. الإجراءات المعاصرة لعمليات التفتيش (مرحلة التنفيذ)
- إطباق الحصار التام على المكان من جميع الجهات ومنع الجمهور أو المارة من الاقتراب أو الدخول.
- منع خروج أي شخص متواجد داخل المكان ومحاصرتهم جميعاً في غرف واحدة مؤمنة.
- الالتزام التام بـ عدم جعل التفتيش سمعياً؛ بل يجب التفتيش البصري والمادي الفعلي.
- أن يباشر مأمور الضبط القضائي عملية التفتيش بنفسه وبحضور المتهم والشهود بصفة مستمرة.
- ملاحظة التغيرات العصبية والجسدية والملامح على الشخص المتهم أثناء اقتراب المأمور من مخبأ معين؛ إذ تعد مؤشراً حيوياً.
- الاستعانة بالمساعدات الفنية الحديثة (مثل أجهزة كشف المعادن أو وسائل الإضاءة المتطورة)، والتزام الغرض المقصود للتفتيش دون انحراف.
خاتمة الدراسة
التسميات: الإجراءات الجزائية اليمني


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية